خاص

جماعة تازة … “البلوكاج”

محاباة الرئيس لمستشاري حزبه دفعت الأغلبية إلى المعارضة وتسببت في تعليق كل المشاريع

تعيش جماعة تازة حالة من «البلوكاج» السياسي، إذ ترفض المعارضة كل المشاريع التي يتقدم بها الرئيس، دون دراستها في تحد لطريقة تدبير الرئيس وتعامله مع مكونات الأغلبية السابقة،
ما تسبب في تعطيل كل المشاريع وانعكس سلبا على المواطن الضحية الأول والأخير…

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي – تصوير: عبد اللطيف مفيق (موفدا الصباح إلى تازة)

توجد تازة جنوب جبال الريف في شمال شرق المغرب على بعد 318 كيلومترا من العاصمة الرباط، يصل عدد سكانها ، حسب إحصاء السكان والسكنى الأخير، إلى 148 ألفا و 456 نسمة، وتضم 34 ألفا و 425 أسرة. تمتد مدينة تازة على ثلاثة مستويات، يقع المستوى الأول على ارتفاع 580 مترا ويضم المدينة القديمة، والثاني على ارتفاع يتراوح بين 400 متر و 500 ويعتبر امتدادا للمستوى الأول، حيث أقيمت المدينة الحديثة، في حين أن المستوى الثالث فلا يتجاوز علوه 400 مترويشمل عددا من الأحياء التي أنشئت حديثا، مثل أحياء المحطة والمسيرة والقدس.

استحواذ على القرار

تخضع تازة لنظام وحدة المدينة منذ 2003، إذ أصبحت المدينة تدبر من قبل مجلس جماعة تازة، الذي يضم 39 مستشارا. ويتشكل المجلس الحالي من ستة أحزاب أربعة منها تنتمي إلى الأغلبية، وهي أحزاب العدالة والتنمية والحركة الوطنية الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية، وحزبان من المعارضة هما الاستقلال والأصالة والمعاصرة. ولا يتوفر أي حزب على أغلبية مطلقة، إذ تتوزع مقاعد المجلس بين العدالة والتنمية الذي حصل على عشرة مقاعد، يليه حزب الاستقلال والحركة الوطنية الشعبية والأصالة والمعاصرة بثمانية مقاعد لكل واحد منها، وتعود ثلاثة مقاعد للتجمع الوطني للأحرار واثنان للتقدم والاشتراكية.

تسببت فسيفساء المقاعد التي يتشكل منها المجلس في  تعطيل العديد من المشاريع بسبب «البلوكاج» الذي يواجهه رئيس المجلس المتنمي إلى حزب المصباح، بعدما فقد الأغلبية بالمجلس، إذ تحالفت ضده أحزاب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال والحركة والأحرار، ولم يتبق بجانبه سوى التقدم والاشتراكية، الذي لا يتوفر سوى على مقعدين بالمجلس، ما جعل الغلبة للمعارضة، التي تضم الأحزاب الأخرى وتسيطر على 27 مقعدا. ونتج الوضع الحالي عن تحول أحزاب كانت تشكل الأغلبية إلى صفوف المعارضة، ما تسبب في حالة «بلوكاج» أمام كل القرارات التي يتخذها الرئيس.

ارتفاع معدل البطالة

أرجعت مصادر مطلعة سبب تحول أحزاب من الأغلبية المشكلة للمجلس إلى صفوف المعارضة إلى طريقة تدبير جمال المسعودي، رئيس المجلس، للشأن المحلي، إذ لا يضع ثقته إلا في المستشارين المنتمين لحزبه، ما جعلهم يستحوذون على كل المهام والتفويضات، ما أثار سخط مكونات الأغلبية، فقررت الانسحاب والالتحاق بصفوف المعارضة. وكانت النتيجة أن توقفت الحركة وجمدت كل المشاريع لعدم تمكن الرئيس من تمريرها. وتحول تدبير شأن الجماعة إلى حلبة صراع وجودي بين الرئيس وحزبه وجل الأحزاب الأخرى المشكلة للمجلس، إذ لم يعد بجانب الرئيس سوى حزب واحد.

وأثر الوضع السياسي المحلي بشكل كبير على النشاط الاقتصادي والوضع الاجتماعي داخل المدينة، إذ لم يساعد المجلس في جلب الاستثمارات إلى المدينة لغياب سياسة واضحة وبسبب جو التوتر الذي يعانيه المجلس وعدم تمكن الرئيس من تجاوز حالة «البلوكاج»، ما أثر سلبا على التشغيل بالمدينة وتسبب في ارتفاع معدل البطالة الذي يوجد، أصلا، في مستويات مرتفعة، إذ أن عددا من المشاريع متوقفة بسبب عدم الحصول على الرخص اللازمة، خاصة ما يتعلق بالمشاريع العقارية.

وأفادت المصادر ذاتها أن جاذبية المنطقة للاستثمارات تظل ضعيفة، أصلا، إذ أن الاستثمارات تقتصر على العقار والخدمات، خاصة التجارة والمقاهي، وزادت الخلافات بين مكونات المجلس من إضعاف قدرة الاستقطاب.

الصحة مريضة

يعاني القطاع الصحي بجماعة تازة عددا من الأمراض والاختلالات، على غرار عدد من مناطق المغرب، لكن هناك عجزا كبيرا في المدينة، إذ هناك مستشفى إقليمي واحد «ابن باجة» الذي يعاني ضغطا كبيرا، بالنظر إلى أنه مطالب بتلبية حاجيات سكان 39 جماعة من ضمنها 4 بلديات، وهي بلدية تازة وأكنون وواد أمليل وتاهلة، ما يجعل من الصعب تقديم خدمات في مستوى تطلعات السكان.
وأفادت مصادر أن قلة الأطر الطبية تجعل الاستفادة من الخدمات أمرا ليس باليسير، بالنظر إلى الطلب المرتفع، لذا، فإن المواعد يمكن أن تصل إلى سنة حسب نوعية المرض والتخصصات المطلوبة.

وأكدت المصادر ذاتها، أن قسمي أمراض السكري ومصلحة التخدير، الوحيدان اللذان يلبيان الطلبات في أقرب الآجال، بالنظر إلى أن كل واحد منهما يتوفر على ثلاثة أطباء، ما يمكن من تحديد مواعد للمرضى قصيرة المدة، في حين أن الأقسام الأخرى تعاني خصاصا حادا، مثل قسم أمراض الروماتيزم، الذي لا يتوفر سوى على طبيبة متخصصة، لا تتمكن من تلبية الطلبات المتعددة التي ترد على القسم، إذ لا يمكن أن تقل مدة الموعد عن ستة أشهر.

الأمر نفسه ينطبق على مصلحة طب العيون، الذي يتطلب الاستفادة من خدماتها أزيد من ستة أشهر، أيضا، أما مرضى القلب فعليهم الانتقال إلى جهات أخرى من أجل العلاج، لأن المستشفى الإقليمي لا يتوفر على طبيب متخصص في أمراض القلب. ويتعين الانتظار لأزيد من عشرة أشهر من أجل الاستفادة من الفحص بـ”السكانير”، علما أن الجهاز يتعرض لأعطاب متكررة، ما يعني أن المدة يمكن أن تصل إلى أزيد من سنة، ويضطر أصحاب الحالات المستعجلة إلى اللجوء إلى القطاع الخاص من أجل إجراء الفحوصات، مع ما يعني ذلك من تكاليف عالية، علما أن مستوى دخل شرائح واسعة من سكان المنطقة يظل محدودا، ولا يمكن من تأمين تكاليف الاستشفاء.

إمكانات سياحية ولكن…

تتوفر المنطقة على مؤهلات سياحية هامة يمكن أن تمثل مصدر دخل هام لمجلس المدينة وأن توفر مناصب شغل كبيرة للسكان، لكنها لا تلقى الأهمية اللازمة ولا تحظى بالأولوية في أجندة المجلس الذي يترأسه حزب “المصباح”.
من أبرز المواقع التي يمكن أن تشكل عنصر جذب للسياح الأجانب والمحليين “مغارة فريواطو”، التي تشتمل بداخلها على مناظر خلابة، مثل الصواعد والنوازل والمجاري المائية، وهناك أيضا مغارة باب تازة، التي لا تقل جذبا أيضا.

وتزخر المدينة العتيقة (تازة العليا) بالعديد من المعالم الحضارية والدينية والفضاءات التاريخية، التي يمكن أن تشكل رافعة للتنمية السياحية بالمنطقة. لكن تحتاج إلى تأهيل وإلى خطة وبرنامج عمل من أجل الترويج لها وجعلها ضمن المزارات والوجهات السياحية، التي يتم الترويج لها لدى منظمي الأسفار العالميين، في إطار شراكة بين المجلس ووزارة السياحة.

وأكد فاعل سياحي بالمدينة، أن المجلس لا يعتبر القطاع السياحي ضمن رافعات التنمية المحلية، وأكد أن رئيس المجلس يصم أذنيه لكل مطالب الفاعلين السياحيين بالمنطقة. وأكد أن تأهيل المواقع السياحية بالمنطقة يمكن أن يساهم في إحداث آلاف مناصب الشغل، إذا توفرت المنطقة على استراتيجية للترويج. وأشار إلى أن المغارتين معروفتان من قبل الأجانب أكثر من السياح المحليين، مضيفا أن التعريف بهما يمكن أن يسهم في إنعاش الوحدات السياحية، كما ستتحول المواقع السياحية الجغرافية والتاريخية والثقافية إلى مصدر عيش للعديد من الأسر، لكن المجلس يفتقر لإستراتيجية تنموية للمنطقة.

بنية تحتية مهترئة

انعكس الصراع السياسي بين مكونات مجلس المدينة على مشاريع تأهيل البنيات التحتية، إذ تعاني الإنارة العمومية  مجموعة من الاختلالات، مثل الانقطاعات المتكررة وتقادم الأعمدة الكهربائية، التي تحتاج إلى عملية تجديد شاملة وتشكل خطورة على المارة، كما تعاني البنية الطرقية مشاكل عديدة، أبرزها كثرة الحفر، التي أصبح أصحاب السيارات معتادين عليها وفقدوا الأمل في إصلاحها، وأصبحت مظاهر تؤثث الطرقات داخل المدينة. وتفتقر المدينة إلى المرافق التربوية والترفيهية.

ولا ينتظر السكان أي آفاق لتجاوز هذه الأعطاب، التي تعانيها المدينة إثر التدبير، الذي نهجه حزب “المصباح” بعد تمكنه من رئاسة المجلس. وأكد فاعل جمعوي أن رئيس المجلس يتعامل بانتقائية مع جمعيات المجتمع المدني بالمنطقة، ما أثر على العمل الجمعوي بالمدينة والمناطق التابعة للإقليم.

ولا ينتظر الشيء الكثير من المجلس الحالي، الذي يعاني مشاكل داخلية جعلته عاجزا عن الحركة، لتنتقل العدوى إلى مختلف أطراف المجال الترابي التابع له. وأدى التدبير “القبلي” للمجلس إلى تجميد مختلف المشاريع وأدخل المنطقة في ركود قاتل، ما دفع عددا من الفاعلين الاقتصاديين إلى الهجرة لمناطق أخرى، كما أن شباب المنطقة يهاجرون إلى مدن أخرى للبحث عن فرص شغل.

ولم تدفع حالة الركود مكونات المجلس إلى إيجاد صيغة توافقية من أجل تجاوز الخلافات في ما بينها، علما أن جوهرها، كما أخبر بذلك عدد من فعاليات المجتمع المدني، يكمن في رغبة رئيس المجلس في الاستحواذ بالقرار وتوزيع الاختصاصات على مستشاري حزبه.

ويؤكد النشطاء الجمعويون أن الحل يكمن في إعادة النظر في الطريقة المعتمدة من قبل الرئيس في تدبير الشأن المحلي ونهج مقاربة تشاركية بإشراك مختلف الفرقاء في اتخاذ القرارات. وفي انتظار ذلك تظل المدينة والمناطق التابعة لها تحت حصار إلى حين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق