fbpx
ملف الصباح

الحـــــواضـــر تُعـــاقَـب

الحضرامي قال إن وحدة المدينة حولت المنتخبين إلى بؤساء واستبدلت أدوارهم بشركات تنمية تتبع للداخلية

منذ 2003 استبدل نظام المجموعة الحضرية، بوحدة المدينة، أو مجلس المدينة، وكان النظام السابق المؤطر بظهير 30 شتنبر 1976، آلية  لتجمع الجماعات للإلمام بالشؤون المشتركة ومتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. مع نظام وحدة المدينة، تغيرت أشياء كثيرة، وباتت حكمة الديمقراطية في تمكين أبناء المدينة من تسيير شؤونهم بعيدة المنال، سيما بعد ظهور شركات تتبع للداخلية تتحكم في دواليب التسيير. في الحوار التالي يجيب الدكتور أحمد الحضراني، المتخصص في الشأن المحلي، عن جوانب التجربة الجديدة ونواقصها…

< ماذا تغير بعد سنوات من تغيير نظام المجموعة الحضرية إلى مجلس المدينة؟
< سؤال صعب الجواب عنه في أسطر، خاصة  لمن عايش هذه التجربة أو عاش في ظلها، أو انخرط فيها من موظفين ومنتخبين، والذين هم أكثر تأهيلا  للحكم  والمقارنة، وأكثر قناعة من غيرهم للحنين إلى النظام القديم (المجموعة الحضرية)، خاصة مع  تدني منحنى التسيير في ظل النظام الجماعي الحالي ما يعرف ب (وحدة المدينة).
لقد استنسخ القانون رقم 00. 78 نظام المجموعات الحضرية، وعوضه بنظام المقاطعات (وحدة المدينة). هذا الحذاء الذي آلم لابسيه من منتخبين وموظفين والسكان، من عدة أوجه، تبرر منحنى انخفاض وتدني منحنى التسيير.

< هل لكم أن تحددوا بعض أوجه هذا التدني في منحنى التسيير؟
< لعل أولها، وبالأساس، يكمن في التشريع، فقد  أحدثت المادة 84 من القانون رقم 00. 78 المتعلق بالميثاق الجماعي، نظام المقاطعات في إطار الجماعات التي يتجاوز عدد سكانها 500 ألف نسمة، وهي ست مدن، كما هو معروف. وجاءت  المادة  84 من القانون رقم 17.08  المغيَّر و المتمَّم للقانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي، لتكرس وتحدد بالاسم المدن التي تتمتع بنظام وحدة المدينة، وهي البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وفاس وسلا. فالقانون الأول المؤسس كان يحدد البلديات ذات نظام المقاطعات حسب العتبة الديمغرافية، ولو استمر هذا المعيار، لتمت إضافة مدن أخرى تجاوز عدد سكانها  500 ألف نسمة لتخضع لنظام المقاطعات، ولكن حصرها بالاسم في ظل القانون رقم 17.08  دليل على عدم نجاح نظام المقاطعات.

< وماذا عن الوجه الثاني؟
< يتجلى في تجميع عدد من الجماعات الحضرية  ذات الشخصية المعنوية والاستقلال المالي، التي كانت منضوية تحت لواء  المجموعة الحضرية، واختزالها في 16مقاطعة (ضم جماعة ليساسفة وجماعة الحي الحسني مثلا وذوبانهما في مقاطعة واحدة (مقاطعة الحي الحسني)، مجردة من الشخصية المعنوية، وتتغذى من منح كالجمعيات، يجود بها عليها مجلس الجماعة الأم (المركزة)، وهذا الأخير هو الذي يحدد منحة مجلس المقاطعة (هامشية الهامش)، ذلك أن حسابات هذا الأخير تلحق بميزانية المجلس الجماعي، وبالتالي  تجريد  مجالس المقاطعات من سلطة مالية حقيقية ما يكرس تبعية مجلس المقاطعة للمجلس الجماعي، اختصاصا وتمويلا ومراقبة.

< يعتقد أن التمثيلية الانتخابية بدورها تأثرت ولم تعد لها تلك القوة التي كانت في عهد المجموعة الحضرية؟
< بالفعل وهو ما أعبر عنه شخصيا ببؤس التمثيلية الانتخابية، خاصة بالنسبة لمستشاري المقاطعات، الذين ليس لهم امتداد تمثيلي داخل المجلس الجماعي،  وليسوا حتى فاعلين في هذه التمثيلية، إذ يحرم عليهم التصويت والترشيح للعضوية داخل مجالس العمالات ومجلس المستشارين، خلافا لمنتخبي المجالس الجماعية القروية أو النائية أو جماعات المشاور… فهذا نوع من التمييز ما بين ممثلي السكان، وكأننا أمام «مستشارين من درجة ثانية» أو «أشباه منتخبين»، يرزخون تحت نير الهامشية والتهميش.

< هناك من يتحدث عن تغول الداخلية في التسيير عبر شركات التنمية المحلية هل يعني ذلك فشل المنتخبين؟
< قبل الإجابة مباشرة عن هذا السؤال، لا بد من استحضار السياق، وفي طابعه التشريعي بالأساس. فقد أحدثت  شركات التنمية المحلية بموجب القانون رقم 08-17 سالف الذكر، خاصة المادة  140 منه، التي نصت على إمكانية  إحداث الجماعات المحلية ومجموعاتها شركات، تسمى شركات التنمية المحلية، وينحصر غرضها في حدود الأنشطة ذات الطبيعة الصناعية والتجارية، التي تدخل في اختصاصات الجماعات المحلية ومجموعاتها، باستثناء تدبير الملك الخاص الجماعي. لكن الملاحظ أن الممارسة، خاصة بالبيضاء تكشف هرولة مجلسها لاعتماد  شركات التنمية المحلية لتطول تدبير مرافق عمومية تقليدية (إدارية، ثقافية، اجتماعية…). فماذا تبقى للمنتخبين؟
و جاءت المادة 130 من القانون التنظيمي رقم 14-113  المتعلق بالجماعات لتسد ثقب القانون السابق، ولتحتوي الممارسة التي طالت تدبير مرافق ليس لها طابع صناعي وتجاري ولتخول لشركات التنمية المحلية  صلاحية تدبير مرفق عمومي تابع  للجماعة.
فما هو سر الإقدام على شركات التنمية المحلية في مجالات ليست حصريا ذات طابع اقتصادي، ودون سند قانوني، إن لم تكن سلطة الوصاية هي التي أجازتها، بل هي التي دعت إليها وباركتها في ظل ضعف وعدم كفاءة واستقلالية المنتخبين، لتحرم المجالس من إدارة أموال الشأن المحلي. ومع مرسوم الميثاق الوطني للا تمركز الإداري تتأكد مركزة الدور المحوري للوالي والعامل.

أزمــــة حـــكــــامــــة

< هل من إضافة على التسيير الحالي للبيضاء؟
< يتبين وكأنه قدر العاصمة الاقتصادية أن تعاقب:  فهي تخضع  للتقسيم الإداري الترابي للمملكة: جهة الدار البيضاء الكبرى، ولاية ، عمالتان، إقليمان، عمالات، مقاطعات،  إضافة إلى جماعة حضرية واحدة، ذات نظام المقاطعات (وعددها 16)، وتجمع بين الأنظمة العامة وتلك الخاصة، ولكنها تعاني مع ذلك أزمة حكامة مؤسساتية ومفارقات اجتماعية…، بسبب تضخم هياكلها الإدارية ( نموذج عمالات المقاطعات، وعددها ثمان)، وهي معتمدة فقط في البيضاء ،مما يكرس انطباع حضور الهاجس الأمني. ثم إن الشيء بالشيء يذكر كما يقال، فالبيضاء هي  المدينة الأولى  في المغرب التي خضعت لنظام الولاية إثر أحداث 1981 ، قبل أن  يتم تعميمها ، و الشيء نفسه يسري على الوكالة الحضرية  بالبيضاء التي أحدثت 1984، وهي الوحيدة التي تخضع لوصاية وزارة الداخلية، خلافا  للوكالات الأخرى. وبالنسبة إلى الحكامة في التدبير فإن مجلس البيضاء لم يستطع اعتماد  مخطط جماعي للتنمية رغم إلزاميته (المادة 36 من القانون رقم   08 ـ 17 المتعلق بالتنظيم الجماعي )، كما  حظيت المدينة باهتمام عاهل البلاد، الذي خصها بخطاب (افتتاح دورة أكتوبر للبرلمان 2013) والذي لم يخل من الانتقاد.

أجرى الحوار: المصطفى صفر

في سطور
– دكتور في الحقوق
– أستاذ القانون الدستوري بجامعة مولاي اسماعيل
– رئيس مركز الدراسات في الحكامة والتنمية الترابية
– له مجموعة من المساهمات في حقول القانون الإداري والدستوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق