fbpx
حوادث

استئنافية مراكش … “البق ما يزهق”

تنظيم محكم رغم أن قاعات الجلسات لا تستوعب عائلات المتقاضين وغياب مكان مخصص للمعتقلين

إنجاز : محمد بها (موفد الصباح إلى مراكش) ( تصوير: عبد الرحمان المختاري)

الساعة تشير إلى الواحدة زوالا، بالقاعة رقم 3 بمحكمة الاستئناف بمراكش، لا صوت يعلو على صوت القاضي الذي يتحدث عبر “ميكروفون” لإيصال صوته إلى المتقاضين والمعتقلين وذويهم والمحامين والمتتبعين، لأن القاعة غصت عن آخرها.
وأنت داخل قاعة الجلسات لا بد من معاينة مشاهد الازدحام بفعل الإقبال الكثيف للمتقاضين، وكذا المتابعين في حالة سراح أو عائلات المعتقلين وجيرانهم، على القاعة، فمنهم من جاء لمتابعة جلسة محاكمة ابنه أو قريب له، وفي انتظار وصول دور ملفه يقوم بالاستئناس بقصص جرائم وخلافات أشخاص آخرين، وهو ما يجعله يأخذ الموعظة منها بالقول “الحمد لله كرف من شي وحسن من شي”.

لحظات هدوء تعم القاعة 3 بالمحكمة الابتدائية بمراكش، سرعان ما كسرها رئيس الجلسة الذي أعلن افتتاحها باسم جلالة الملك، معلنا عن بدء النظر في الملفات المعروضة أمامه رفقة هيأة المحكمة للبت فيها.

بالقاعة 3 بدأ رئيس الجلسة في الإعلان عن أرقام الملفات المعروضة أمامه، مناديا في الوقت نفسه على أسماء المتهمين الذين يوجدون في حالة اعتقال وكذا أسماء هيأة الدفاع التي تنوب عنهم وعن الضحايا.
وخلال الساعات الأولى من جلسة المحكمة بالقاعة 3 أجل رئيس الجلسة مجموعة من الملفات إلى تواريخ لاحقة، لأسباب تتعلق بعدم الجاهزية، أو عدم توفر المتهم على محام ينوب عنه.

“سوق عكاظ”
بمجرد وقوف طاقم “الصباح”، قرب مدخل القاعة 3، أثار انتباهه الازدحام الشديد في قاعة الجلسات، إذ تحلق بالصف الأخير رجال ونساء شيبا وشبابا وهم يتطلعون لمتابعة كل صغيرة وكبيرة في الجلسة حتى لا تفوتهم تفاصيل قضية تعود لذويهم وأسرهم من المعتقلين. فالوقوف وتحمل تبعات الازدحام والحرارة لا يهمان، بقدر ما تهم معرفة مآل القضية التي من أجلها تحملوا عناء التنقل وتركوا مشاغلهم للتردد على ردهات المحاكم.
لا يمكن لزائر هذا الفضاء التابع لمنظومة القضاء إلا أن يثير انتباهه تكدس مجموعة من النساء والرجال والشباب في الكراسي المخصصة للعموم، لمتابعة أطوار جلسات مثول المتهمين ومرافعات دفاعهم.

مصفدون وسط الجلسة
من بين الأمور الغريبة التي وقف عليها طاقم “الصباح”، بمحكمة الاستئناف بمراكش، عدم وجود مكان مخصص للمعتقلين وسط قاعة الجلسة في انتظار المناداة على كل متهم للمثول أمام القاضي.
وعاينت “الصباح”، تكدس مجموعة من المعتقلين في كراس تابعة لصف خاص لهم بالجهة المقابلة لصف المتتبعين لأطوار الجلسة، إذ ظهر المعتقلون وهم مصفدون وسط الجلسة وبمجرد المناداة على أحدهم يقوم الشرطي بنزع الأصفاد من بين يديه والسماح له بالمثول أمام هيأة المحكمة. ويعود تصفيد المعتقلين وسط الجلسة إلى تخوف الشرطة من فرارهم بسبب عدم وجود معقل أسفل المحكمة.

السرقة الموصوفة
تميزت جلسة القاعة 3 بالتطرق إلى ملف استأثر باهتمام بالغ من قبل المتتبعين الذين غصت بهم القاعة، إذ ما إن مثل أمام القاضي معتقل، سبقت إدانته في المرحلة الابتدائية ب10 سنوات سجنا نافذا متهم بجناية السرقة الموصوفة واستعمال العنف بالسلاح الأبيض، حتى بدأت أسر المتقاضين تتداول بينها عبارات من قبيل “ياربي السلامة محكوم بعشر سنين ما يخرج حتى إلقى الطرام في مراكش…”.
ومثل المتهم العشريني، في حالة اعتقال، أمام هيأة المحكمة، ليخاطبه القاضي قائلا “أريد أن أعرف لماذا أدليت باسم آخر للشرطة حينما أوقفتك؟” “لماذا أعطيت اسم شقيقك؟ لأنك أردت التمويه على الشرطة”.

وكشف القاضي للمتهم أن ضحيته أصيب بجروح خطيرة في وجهه ورأسه، مشيرا إلى حجم المعاناة التي ذاق مرارتها جراء الاعتداء الوحشي عليه، من قبل المتهم وشريكيه الآخرين.
وحاول المتهم إبعاد تهمة التعرض للضحية بدافع السرقة، مشيرا إلى أنه قام بتعنيفه فقط، بعد تعرضه للاستفزاز، لكنه لم يعتد عليه بالسلاح الأبيض أو سرق ما بحوزته.
وعرض رئيس هيأة الحكم على المتهم مجموعة من الصور التي تتوسط تقريرا تتوفر عليه المحكمة، ويبرز حجم الضرر الذي تعرض له الضحية، موجها سؤاله للمتهم العشريني “شكون ضرب الضحية واش الملائكة؟”.

وخلال تناول المحامية التي تنوب عن المتهم، الكلمة، كشفت للقاضي أن المشتكي تنازل عن مقاضاة المتهم بتهمة السرقة، بعدما تبين له أن موكلها لا علاقة له بالواقعة سوى تعريضه للضرب.
والتمست المحامية من هيأة المحكمة منح موكلها البراءة من السرقة الموصوفة، واحتياطيا التخفيف من عقوبته مراعاة لظروفه الاجتماعية وعدم سوابقه.

تأجيلات
هي ساعات طويلة قضتها الهيأة القضائية والمحامون، بدءا من عرض ملفات المتهمين ومثولهم أمام القاضي للاستماع إليهم حتى موعد تأجيل الملفات إلى جلسة لاحقة، بسبب غياب طرف ما أو منحهم فرصة توكيل محام للدفاع عنهم.

تنظيم محكم
يكفي زائر استئنافية مراكش التنقل بين فضاءاتها حتى يقف بنفسه على التنظيم المحكم الذي يطبع سير جلساتها وكذا الهدوء الذي يطبع أروقتها، إذ يحرص الموظفون والعاملون على تقديم شروحات ومساعدات لكل مرتفق مرتبك أو يسأل عن توقيت انطلاق جلسة ما، وهو ما يؤكد أن المحكمة تحرص على التطبيق السليم للخدمة الإدارية وتجويد خدماتها.

نظرات الشوق
تحرص عائلات المعتقلين على إلقاء النظرة عليهم في الجهة المقابلة لهم وسط قاعة الجلسات، وهي السلوكات التي تثير غضب رجال الأمن المكلفين بالحراسة وأمن القاعة، إذ يبدؤون في طرد العائلات التي تخرق قانون متابعة ما يدور في جلسة المحكمة، إلا أنه بعد مرور لحظات يعود الأشخاص أنفسهم إلى إلقاء النظرة على المعتقلين ومخاطبتهم وتحيتهم، فيعاود رجال الأمن طردهم من جديد وهو المشهد الذي يجعل الواقفين في الصف الأخير يفسحون الطريق للمغضوب عليهم لمنحهم فرصة إلقاء نظرة خاطفة على فلذات أكبادهم لأن شوق الفراق لا يُحتمل.

“البق ما يزهق”
“فين غادي أخويا فين غادية الشريفة؟…” عبارات لا ينفك حارس الأمن الخاص والشرطي الواقفان بمدخل باب المحكمة عن ترديدها لكل راغب في تجاوز العتبة للدخول إلى فضاء العدالة بمحكمة الاستئناف بمراكش.

روح النكتة

رغم التزامهم بقانون متابعة ما يدور في جلسة المحكمة، من خلال حرص النساء والرجال على تتبع كل صغيرة وكبيرة في القاعة حتى لا تنفلت منهم أي معلومة تخص ملف قريب لهم أو فلذة كبدهم، إلا أن مرتفقي محكمة الاستئناف بمراكش يتميزون عن غيرهم بالمدن الأخرى، من خلال روح النكتة التي لا تفارقهم في حلهم وترحالهم، فرغم هيبة الهيأة القضائية ورهبة المحكمة التي ترخي بظلالها على نفوس المتقاضين والمعتقلين والمتتبعين من عائلاتهم وجيرانهم، إلا أن المثل المغربي يقول “كثرة الهم كضحك” ومن خلال تتبع طاقم “الصباح” لفصول المحاكمات التي جرت أطوارها باستئنافية عاصمة النخيل، تبين أن الاهتمام بقضايا الآخرين وروح النكتة للتخفيف من معاناة بعضهم البعض، ممارسات يحرص المراكشيون على الالتزام بها، تحت شعار “ضحك ومولاها ربي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى