fbpx
منبر

عصيد: العبادات ثابتة والتشريع متغير

عصيد قال إن حدود القرآن مطابقة لأوضاع لم تعد موجودة

قال الباحث أحمد عصيد إن الخطاب الداعي إلى استعادة الدولة الدينية يعكس ارتباكا في الوعي الإسلامي، وأضاف الفاعل الحقوقي إن الحدود التي أتى بها القرآن مطابقة لأوضاع لم تعد موجودة، مؤكدا أن كل قانون هو استجابة لوضعية إنسانية معينة. كما تحدث صاحب “أسئلة الثقافة والهوية في المغرب المعاصر” عن مواضيع أخرى تجدونها في هذا الحوار.

< هل تعتقد أن شعار تطبيق الشريعة والحدود ما زال له معنى في المجتمعات المعاصرة؟
< هذا الشعار ارتبط بمرحلة تاريخية محددة، خاصة بعد سقوط الخلافة الإسلامية للدولة العثمانية سنة 1924، وهي الفترة التي نادى فيها بعض الفقهاء بضرورة عودة الخلافة وعودة الشريعة إلى الدولة، كما عرفت تلك المرحلة أيضا بترسيخ بنيات الدولة الحديثة في بلدان المسلمين خلال الفترة الاستعمارية، مما أدى إلى نوع من الارتباك في الوعي الإسلامي بشأن ضرورة استكمال مسلسل التحديث، أو العودة إلى الخلافة، فأصبح المسلمون يتقاذفهم التناقض في ظل وجود مؤسسات حديثة بجوار وعي تقليدي، هذا الوعي الذي لم يتقبل الدولة الحديثة بمنطقها وقوانينها الوضعية ومفاهيمها الجديدة، من أهمها مفهوم المواطنة. وبقي هذا الخطاب الداعي إلى استعادة الدولة الدينية مستمرا إلى نهاية القرن الماضي، حين اندلعت بؤر التوتر بسبب المجموعات الدينية المسلحة، بعد فشل التيار الإسلامي في الاستحواذ على السلطة في العديد من البلدان، وبعد فشله في تدبير شؤون الدول التي أشرف عليها منها السودان وأفغانستان والسعودية وإيران.

< إذن ماهي الجهة التي تحرص على تطبيق الشريعة؟
< في السياق الراهن ونحن في العقود الأولى من الألفية الثالثة، فإن خطاب تطبيق الشريعة يبدو مهجورا تقريبا، إذ أن التيار الإسلامي نفسه المشارك في الحكومات وتدبير الشأن العام، لم تعد له الجرأة على رفع هذا الشعار، بل أصبح يتنصل من فكرة الدولة الدينية وتطبيق الشرع، وبقي الأمر مقتصرا على بعض الدعاة والأفراد المتشددين الذين لا يستطيعون إقناع غيرهم بفكرة العودة إلى العقوبات الجسدية،  في الوقت الذي يعرف فيه العالم اتجاها واضحا نحو القضاء على هذا النوع من العقوبات وكذلك إلغاء الحكم بالإعدام، إذ يتزايد عدد الدول الموقعة على قرارات من هذا القبيل.
وجدير بالذكر وما ينساه كثير من الناس، أن الكثير من القبائل المغربية الأمازيغية لم تكن تطبق العقوبات الجسدية حتى قبل ظهور الدولة المدنية الحديثة، إذ كانت تحتكم في أعرافها إلى الغرامات عقوبات بديلة وتحكم أيضا بالنفي ولا تحكم بالقتل، وهذا معناه أن العقوبات الجسدية لم تكن ضمن تقاليد معظم هذه المناطق، بل كان يحتكم إليها المخزن المركزي في عاصمة الحكم وما جاورها.

< ما دام الأمر كذلك لماذا لا نجد جرأة لدى الفقهاء لإعلان موت ذلك الشعار؟
<  في 2013 ارتكب المجلس العلمي الأعلى خطأ فادحا عندما طالبه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية برأيه في قضية حرية المعتقد، فكان الجواب منتصرا إلى الفكرة الأصولية القائلة ب”من بدل دينه فاقتلوه”، وخلال الأسبوع نفسه توجه الملك محمد السادس لأداء صلاة الجمعة بآسفي، فأعطى تعليماته بأن تكون خطبة الصلاة في موضوع “حرية المعتقد في الإسلام” فجاءت الخطبة مضادة تماما لما صدر عن المجلس العلمي، إذ يبدو أن السلطة العليا بالبلاد تحرجت من هذا الرأي المتطرف

< هل يمكن اعتبار القرآن كتاب قانون أو مصدر تشريع؟
< هذه فكرة إخوانية ووهابية تعتبر القرآن دستورا وقانونا للمجتمع، كما نادى بها بعض الفقهاء القدامى، لكن لم يعد لها معنى، فالدولة الحديثة لها دستور وقانون وضعي، ولا يمكن أن تحكم بكتاب دين، فحتى إسرائيل التي تصنف دولة دينية لا أحد فيها يتحدث عن ضرورة العودة إلى التوراة، لأنهم يعرفون أن مواجهة التحديات والانخراط في المدنية الحديثة لا يمكن أن يتم إلا باعتماد قوانين حديثة ووضعية والتفاعل مع معطيات الواقع، فلا توجد دولة متقدمة تقول بالعكس، إذ لم نسمع يوما في أوربا عن دعوات للعودة إلى الإنجيل لتطبيقه أو اعتماده مصدرا للتشريع ووضع القوانين، فهذا مشكل خاص بالمسلمين، وهذا سبب تخلفهم، فالحدود وأحكام القرآن مطابقة لأوضاع لم تعد موجودة، وهي بدورها مأخوذة من تعاليم دينية سابقة على الإسلام وحضارات وشعوب لها سياقات خاصة، كما أن كل قانون هو استجابة لوضعية إنسانية معينة.

<  لكن هذه الشعارات التي تحدثنا عنها ظلت قائمة لعقود في مقرراتنا الدراسية وتلقتها أجيال؟
< لحسن الحظ تم الانتباه لهذا الوضع، وتم تغيير بعض هذه المقررات في السنوات الأخيرة، بعد أن استفاقت الدولة على خطر التطرف الذي تم دسه في المناهج الدراسية منذ نهاية السبعينات، حين قرر الراحل الحسن الثاني مقاومة المد اليساري بالاستعانة بالوهابية والفكر الإخواني، اللذين تسربت حتى لمقررات الفلسفة، بعد استقدام المصري علي سامي النشار لصيغة مقررات أشعرية لهذه المادة، لكن خلال مرحلة محمد السادس بدأت الدولة تحاول التخلص من الإرث الثقيل، خاصة بعد الأحداث الإرهابية التي استهدفت الدار البيضاء في 2003 وما بعدها، من خلال مجموعة من التدابير بما فيها مراجعة مقررات التربية الإسلامية قبل سنتين، لكن المشكل هو أن التيار المتطرف داخل رجال التعليم يأبى إلا أن يضع تلك المقررات جانبا ويلقن التلاميذ أشياء من خارج المقرر أو يستعيد مضامين المقررات القديمة، وقد وقفت على حالات عديدة من هذا القبيل، يجب الانتباه إليها وتشديد المراقبة عليها.

< هل بهذا المعنى يمكن القول إن مسألة تطبيق الحدود دخلت ضمن دائرة “التراث الميت” وأن عبارة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان لم يعد لها معنى؟
< هذه العبارة أصلا غير دقيقة، وينبغي أن نفهم أن العبادات والأركان الخمسة صالحة لكل زمان وثابتة وأبدية لا تغيير فيها، أما ما يتعلق بالشؤون الأرضية والدولة والمجتمع والتشريع فهذه أمور تهتز وتنقلب رأسا على عقب وتتغير مع مرور الزمان ، ولا توجد شريعة أو كتاب ديني يصلح لكل زمان ومكان، فهذا كذب على الناس.

في سطور:
– كاتب، وشاعر، وباحث أمازيغي، وناشط حقوقي علماني، ولد بإقليم تارودانت.
-حاصل على الإجازة في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1984.
– حاصل على شهادة التخرج من كلية علوم التربية سنة 1988.
– اشتغل أستاذا بالتعليم الثانوي.ويعمل حاليا باحثا بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
– من مؤلفاته:
ـ «الأمازيغية في خطاب الإسلام السياسي».
ـ «أسئلة الثقافة والهوية في المغرب المعاصر»
ـ «سياسة تدبير الشأن الأمازيغي بالمغرب بين التعاقد السياسي وسياسة
الاستيعاب»
ـ «رسائل إلى النخبة المغربية»
ـ «حمو أونامير»(قصص شعبية)
ـ «الرايس محمد الدمسيري: قصائد أمازيغية مختارة»

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق