fbpx
حوادثمقالات الرأي

البعلي: قراءة في جرائم الآداب

الشريك الذي يقل عمره عن 18 سنة اعتبره المشرع ضحية (1/2)

بقلم: ذ. عبد العزيز البعلي*

بصرف النظر عن المرجعية الفكرية أو المذهبية التي تحكمت في صياغة مشروع مسودة القانون ، يحق لنا التساؤل حول ما إذا استطاعت هذه الأخيرة أن تقدم لنا الأجوبة الشافية لبعض الإشكالات التي أفرزتها الممارسة القضائية اليومية وشكلت لعقود عديدة موضوع سجالات فكرية ومناقشات علمية متعددة.

لذا، سنحاول استقراء بعض المستجدات التي حملتها المسودة في الباب المتعلق بجرائم الآداب والاعتداءات الجنسية، خاصة ما تعلق منها بجنح الفساد والخيانة الزوجية والتحريض على الدعارة ومقارنتها بالنصوص الحالية للوقوف على مدى توفق المسودة في تجاوز الإشكالات القانونية والقضائية التي آثارتها تلك النصوص وبالتالي مدى استفادتها من التجارب الفقهية والسوابق القضائية على نحو يجعلنا نسلم بدور الفقه والقضاء المغربيين في تطوير التشريع؟

تناول المشرع جنحتي الفساد والخيانة الزوجية في الفرع السادس من الباب الثامن من القانون الجنائي المتعلق بانتهاك الآداب وذلك في الفصول 490 إلى 493. إذ عرف الفصل 490 من القانون المذكور الفساد بأنه:

“كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما العلاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة”.
في حين عرفه الفصل نفسه، من مشروع مسودة القانون الجنائي بانه:

“كل اتصال جنسي غير شرعي بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر، وغرامة من 2000 درهم إلى 20.000 درهم.
يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من 2000 إلى 20.000 درهم إذا ارتكبت الجريمة بمقابل، كيفما كان نوعها إذا كان أحد مرتكبي الجريمة قاصرا، دون 18 سنة من عمره تطبق على الراشد مقتضيات المادة 497”.

كما تناول القانون الجنائي جنحة الخيانة الزوجية في الفصل 491 الذي جاء فيه:

“يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين أحد الزوجين الذي يرتكب جريمة الخيانة الزوجية ولا تجوز المتابعة في هذه الحالة، إلا بناء على شكوى من الزوجة أو الزوج المجني عليه.
غير أنه في حال غياب أحد الزوجين خارج تراب المملكة، فإنه يمكن للنيابة العامة أن تقوم تلقائيا بمتابعة الزوج الآخر الذي يتعاطى الخيانة الزوجية بصفة ظاهرة”.

في حين عالجت مسودة القانون الجنائي الموضوع نفسه من خلال الفصل 491 واحتفظت بالمقتضيات نفسها، باستثناء ما أضافته إلى جانب العقوبة الحبسية من غرامة مالية، إذ نصت المذكورة على أنه:
“يعاقب من سنة إلى سنتين وغرامة من 2000 درهم إلى 20.000 درهم أحد الزوجين الذي يرتكب جريمة الخيانة الزوجية ولا يجوز المتابعة في هذه الحالة إلى بناء على شكاية الزوج أو الزوجة أو في حالة غياب أحد الزوجين خارج تراب المحكمة، فإنه يمكن لهذه النيابة العامة أن تقوم بمتابعة الزوج الآخر الذي يتعاطى الخيانة الزوجية بصفة ظاهرة”.

وارتباطا بموضوع التنازل وأثره على مرتكبي جنحة الخيانة الزوجية وشريكه، نص الفصل 492 من القانون الجنائي:

“تنازل أحد الزوجين عن شكايته يضع حدا لمتابعة الزوج أو الزوجة المشتكى بها عن جريمة الخيانة الزوجية.

فإذا وقع التنازل بعد صدور حكم غير قابل للطعن، فإنه يضع حدا لآثار الحكم بالمؤاخذة الصادر ضد الزوج أو الزوجة المحكوم عليها.
ولا يستفيد مشارك الزوجة ولا مشاركة الزوج من هذا التنازل”.

وحافظت كذلك المسودة على المقتضيات نفسها، في ما يخص آثار التنازل في وضع حد لمتابعة مرتكب الخيانة الزوجية وعدم استفادة الشريك من التنازل، باستثناء إحالتها على الفصل 497 بالنسبة للشريك الذي يقل عمره عن 18 سنة، إذ اعتبره المشرع مجرد ضحية، وانتقل بوصف الفعل من جنحة الخيانة الزوجية إلى جناية تحريض أو تشجيع أو تسهيل الدعارة على القاصرين مهما كانت الوسيلة المستعملة في ذلك.

في ما يتعلق بإثبات جنحتي الفساد والخيانة الزوجية، ففي الوقت الذي نص فيه الفصل 493 من القانون الجنائي:
“الجرائم المعاقب عليها في الفصلين 490 و491 لا تثبت، إلا بناء على محضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائية في حالة التلبس أو بناء على اعتراف تضمنته مكاتب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي”.

اقتصرت المسودة في إثبات هذه الجرائم على حالة التلبس والاعتراف القضائي مستبعدة بذلك الاعتراف الذي تتضمنه المكاتب أو الأوراق الصادرة عن المتهمين، إذ نصت المادة 493 على أن:
“الجرائم المعـــــاقــــــب عليها في المـــــــــواد 493 و 491 من القانون لا تثبت إلا بناء على محضر يحال على ضباط الشرطة القضائية في حالة تلبس أو بناء على اعتراف قضائي”.
لقد أثار تطبيق هذه المواد ولعقود إشكالات كبيرة على مستوى محاكمنا الجنائية عكسته حدة المناقشات التي كانت تقع بين هيأة الدفاع وأعضاء النيابة العامة على وجه الخصوص ويمكن إبداء الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: أن المشرع احتفظ بتعبير “الفساد” ضمن المقتضيات المذكورة في تعريفه لهذه الجريمة، خلافا للعديد من التشريعات المقارنة و هو تفرد منتقد، طالما أن مفهوم الفساد يحمل أكثر من دلالات، حسب السياق الذي استعمل فيه، يكفي التذكير أنه من الناحية الاصطلاحية في الثقافة العالمية المعاصرة، فإن لفظ الفساد يستعمل في التعبير عن الفساد المالي والإداري.

ودفعا لكل التباس، كان على المشرع أن يستعمل عبارة أخرى أكثر دلالة من قبيل “الزنا”، كما هو الشأن بالنسبة للتشريع الكويتي والليبي والقطري…

الملاحظة الثانية: أن المشرع استبدل عبارة “العلاقة الجنسية” بـ “الاتصال الجنسي” (المواقعة) على نحو لا يمكن معه أن نتصور جريمة فساد أو خيانة زوجية خارج نطاق الاتصال الجنسي، وهو تضييق منتقد كذلك لما يشكله من إجحاف للعلاقة الزوجية ويضرب في العمق قداستها وسموها، والتي تجعل من غير الأنسب، اختزال خيانتها في صورة الاتصال الجنسي فقط، مع ما قد يترتب عن ذلك من ردود فعل سلبية قد تكون قوية من جهة من يعتبر نفسه ضحية، خاصة الرجل الذي قد يضبط زوجته في أوضاع تمس شرفه وعرضه، ومع ذلك لا يعتبر الأمر خيانة زوجية من الناحية القانونية الصرفة، علما أن بعض التشريعات اعتبرت، مثلا، أن مشاهدة الأفلام الخليعة، تشكل خيانة زوجية، لما لهذه الرابطة من قدسية وسمو ورفعة، وبالتالي كان على المشرع أن يوسع من مفهوم وصور الخيانة الزوجية وألا يحصرها في الاتصال الجنسي.

الملاحظة الثالثة: قيد المشرع في مسودة القانون الجنائي من وسائل إثبات جريمة الفساد والخيانة الزوجية، عملا للفصل 493، إذ استبعد الاعتراف الذي تتضمنه مكاتيب وأوراق المتهم واكتفى باعتماد محضر يحرره ضابط الشرطة القضائية في حالة التلبس أو بناء على اعتراف قضائي، مع ما يترتب عن ذلك من استبعاد لأي وسيلة أخرى، كالتسجيلات الصوتية والتسجيلات بالكاميرا ووسائل الاتصال التكنولوجية المتطورة، وهو تضييق كذلك غير مفهوم، طالما أن القضاء مدعو للاعتماد على الوسائل الحديثة والقاطعة للإثبات في تكوين القناعة.

وغني عن البيان أن المجلس الأعلى (سابقا)، ومن ورائه محاكم الموضوع كانت تعتبر إقرار المتهمين بمحضر الضابطة القضائية باقتراف الفساد أو الخيانة الزوجية وتوقيعهما على ذلك ينزل بمنزلة الاعتراف الذي تتضمنه مكاتيب أو أوراق صادرة عنهما.

* مدير المجلة المغربية
لنادي قضاة الدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق