ملف الصباح

تغيرات طالت مفهومي “السخط” و”الرضى”

3 أسئلة إلي * خالد عاتق

< كيف يمكن تقييم التحولات التي طرأت في علاقة الأبناء بالوالدين؟
< عرف المجتمع المغربي في الآونة الأخيرة تحولات كبيرة متسارعة وقاسية وعنيفة همت الأسرة المغربية، وكانت سببا مباشرا في تغير العلاقات بين أفرادها، وأدت إلى بروز عدد من الاختلالات التي كانت سائدة في ما مضى، غير أنها عرفت في الفترات الأخيرة انتشارا وبروزا كالعقوق.

ومن الأسباب المباشرة لانتشار ظاهرة العقوق التحول الديمغرافي، فانخفاض عدد الأبناء أدى بالمجتمع إلى إعطاء أهمية كبرى للطفل بدل الرجل المسن، إذ انخفضت الولادات وتراجع متوسط عدد الأطفال لكل امرأة إلى حوالي 2,21 طفل لكل امرأة سنة 2014، بعد أن كان قد بلغ ذروته ليصل إلى أكثر من 7 أطفال خلال سنة 1960. هذا الاتجاه التنازلي في الخصوبة استغرق أقل من ثلاثين سنة في المغرب، في حين تطلب ذلك قرنين من الزمن في فرنسا، إذ انتقل معدل الخصوبة من أكثر من 6 أطفال لكل امرأة في منتصف القرن الثامن عشر إلى حوالي طفلين لكل امرأة في ثلاثينات القرن الماضي. هذا التحول حول نظام الأسرة من التمركز حول الرجل الكبير إلى جعل الطفل الصغير مركز الاهتمام.

كما أن ظهور الأسرة النووية، التي أصبحت تشكل أكثر من 60 في المائة من مجموع الأسر المغربية، أدى إلى ضمور الأشكال التنظيمية التقليدية مثل "الجماعة" و"الأسرة الممتدة" التي غاب معها المحضن الذي يجد فيه المسنين الرعاية والاهتمام.

الأزمة الاقتصادية بدورها، تسببت في عدم قضاء الآباء لوقت كبير مع أبنائهم، إذ غاب التواصل بين الأجيال وضعفت المعرفة بسلوكات الأبناء وعرفت العلاقات الأسرية توترا ملحوظا زكى أنماط التواصل الحديثة
فضلا عن ذلك، أثر ظهور الفردانية على تمثل الأجيال اللاحقة لمفهوم البر والعقوق في ظل غياب النماذج الحية التي تمرر مثل هذه القيم بين الأجيال، كما كانت في الأسر الممتدة.

< تنامي إيداع الآباء في دور العجزة وجرائم الأصول. هل يندرج في إطار هذه التحولات أم هو شكل من عقوق الوالدين؟
< رغم عدم قدرة العديد من أفراد المجتمع على رعاية المسنين وتقديم العون لهم بل وفي كثير من الأحيان معاملتهم بطريقة سيئة من إهمال وممارسة العنف، إلا أنهم يرفضون الذهاب بالرجل المسن إلى دور العجزة، نظرا للتمثلات السلبية التي يحملها المجتمع المغربي عن دور المسنين، إذ لازال المجتمع ينظر بتنقيص ودونية لمن يضع والديه بدور العجزة، ذلك أن التحولات الاجتماعية العنيفة التي عرفها المجتمع المغربي لم تغير من قواعد السلوك المرتبطة بموقف المجتمع من دور المسنين.

< هل مازالت ثنائية "السخط" و"الرضى" قائمة في المجتمع حاليا وتحكم علاقة الوالدين بالأبناء؟
< لم يعد لمفهومي السخط والرضا تلك الهالة التي كانت لهما من قبل، إذ أن شباب اليوم أفرغوا هذين المفهومين من محتواهما الديني والعرفي التقليدي، ولم تعد لهما تلك السلطة الرمزية المستمدة من الدين أو التقاليد، حيث لم تعد طاعة الأبناء لآبائهم طاعة مطلقة ومفتوحة تحت طائل الرضى بل أصبحت تخضع لمعايير أخرى ترتبط بالمصلحة والمنفعة، فإستراتيجية الآباء في استعمال السخط والرضى سلاحا لإلزام الأبناء بالطاعة لم تعد ممكنة في ظل ارتفاع منسوب الاستقلالية والفردانية والأنانية لدى الأبناء.

أجرت الحوار: هجر المغلي

* (أستاذ باحث في علم الاجتماع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق