fbpx
منبر

الاحتـفـال انتـصار للـفـرح

الباحث الإيبوركي قال إن مشاركة الآخرين أعيادهم مرتبط بالإنسان أكثر من المعتقد
قال الباحث عمر الإيبوركي إن الكثير من مظاهر مصادرة الفرح تنتشر مع رفض أعياد الميلاد، وقال أستاذ علم الاجتماع إن الاحتفالات هي في الأول والأخير انتصار للفرح والإنسان. في ما يلي نص الحوار :
< بمناسبة رأس السنة يتجدد النقاش حول مشروعية مشاركة المسلمين المسيحيين أعياد الميلاد،ويتجدد أيضا البعد العدائي إزاء الموضوع..كيف يمكن تفسير ذلك من الناحية الاجتماعية؟
< أثار الاحتفال برأس السنة سجالا بين فئات المجتمع، هل يمكن الاحتفال به أم لا يجوز، وقد قاد هذا السجال أئمة المساجد، والمرشدون الدينيون، وجعلوا هذا الاختلاف دينيا، يتوزع بين الحلال والحرام. وكثيرا ما اتخذ هذا الجدل صراعا دينيا عند بعض المسلمين المتعصبين ضد النصارى واليهود. بل إن بعض هؤلاء المتحجرين يعتبرون الاحتفال كفرا وشركا، وخروجا عن الدين والتوحيد. وقد يستغل بعض الأئمة خطبة يوم الجمعة التي تسبق بداية السنة الميلادية ليصبوا جام غضبهم على مظاهر الاحتفالات التي تقام بالمناسبة كتحضير الحلويات، وشراء الهدايا وتبادلها، في الوقت الذي يستغل البعض آخر جمعة من السنة الميلادية فيتبادل الأدعية والتمنيات.
إن أصحاب هذا التوجه الديني المتعصب يرفضون كل احتفال، وبالتالي فهم ضد كل ما يختلف عن معتقداتهم، ولذلك يلجؤون إلى مصادرة الفرح، واعتبار المناسبات والطقوس الاحتفالية مجرد ممارسات جاهلية، وان المسلم إنما خلق ليعبد ويزهد في الطيبات ويقضي الحياة الدنيا في الحزن والبكاء، وكأن الفرح ليس بعدا إنسانيا، وأن الدين هو مجاهدة النفس للتكفير عن الخطايا.

< ما هي مظاهر مغربة الأعياد والمناسبات الدينية التي تشكل تراكما للحضارات التي مرت من المغرب؟
< إذا رجعنا إلى تاريخ المغرب نجد أن مجتمعه كان دائما منفتحا في أغلبه، متنورا يرفض التعصب والتحجر، لذلك نجد الكثير من الاحتفالات والطقوس ذات الجذور الاجتماعية والثقافية. الاحتفال هو انتصار للفرح، واستغلال المناسبات للتفاعل وممارسة طقوس خاصة ومقننة بمظاهرها، إضافة إلى العيدين الدينيين المعروفين (عيد الفطر والأضحى)، يحتفل المغاربة بالمولد النبوي ولهم طقوسهم الخاصة يختلفون بها عن بقية المناطق الشاسعة من العالم الإسلامي، وهناك من الناس من يعتبر ذلك بدعة وخروجا عن الدين أو تشبها بالمسيحيين الذين يحتفلون بميلاد المسيح، ولكنه فرح بميلاد الرسول عليه السلام. وهناك الاحتفال برأس السنة الأمازيغية بطقوسها المتنوعة من أطعمة، وأغان، وألبسة لتوديع سنة واستقبال سنة جديدة، والاحتفال بالسنة الفلاحية عبر طقس يسمى «حاكوزة» وهذا الاحتفال يرتبط بالمجتمع الزراعي.

< بماذا يمكن تفسير تزايد مد العداء تجاه كل الرموز الدينية للآخرين؟
< أعتقد أن مثل هذه الأفكار المتعصبة خاطئة، يستغلها الغلاة من المتدينين للتحريض ضد الآخرين الذين يختلفون على مستوى الدين والمعتقدات، وهذا شكل من رفض الأخر ونبذ التسامح ، ويخالف روح الدين الإسلامي التنويرية التي لا إكراه في الدين فيها. ولو أن التعصب وعداء الآخر يأتي من بعض الدعاة الذين يعتبرون الإسلام هو الدين الذي يجب أن يسود دون اعتبار للاختلاف الثقافي والمعتقدي، رغم أن الإسلام انفتح على كل الثقافات بقيمها وطقوسها وتقاليدها،وما عدا الاحتفالات الوثنية والشرك بالله، فان لهذه المجتمعات مناسباتها وطقوسها المتعددة التي ترسخت عبر قرون، وكانت تمثل لحظات فرح تسعد الإنسان، وإلا لكان المسلم منغلقا،ولما استطاع الإسلام أن ينتشر عبر القارات والثقافات،والأجناس لا فرق بين المنتمين إليها إلا بالتقوى.

< الى أي حد يمكن أن تشكل الأعياد فرصة لتقريب وجهات النظر وتذويب الخلافات ؟
< بالنسبة إلى الاحتفالات التي تقام لمناسبة برأس السنة الميلادية الجديدة هي أولا احتفاء بالإنسان، لأن السنة هي وحدة للعد والحساب لعمر الإنسان، فهو يحتفل بنفسه، وبتطلعاته وآماله، وما حققه في حياته من أهداف وغايات، وهي الفكرة الجوهرية التي تجعل المجتمع الإنساني يستمتع بطقوس الاحتفالات بالموسيقى والألعاب النارية، وهذه الاحتفالات إنسانية، وليست دينية،لا علاقة لها بالنصرانية، بل هي مناسبة يمتزج فيها المسيحي واليهودي والنصراني،والمسلم، وكل من لا دين له. فهي مناسبة ترتبط بالإنسان وبحياته الدنيوية أكثر ما ترتبط بمعتقداته، وبالتالي فهي وسيلة للتقارب بين الشعوب والانفتاح بين الأمم، وتشارك الفرح والتثاقف خاصة في زمن العولمة والثورة التواصلية.
ويبقى الاحتفال بالسنة سواء كانت ميلادية أو هجرية، أو أمازيغية هو مناسبة ثقافية للفرح، واستقبال سنة جديدة بنوع من الفرح وشحذ الهمم بتفاؤل نحو حياة كلها أمل وتطلع نحو المستقبل، وفي ذلك سعادة الإنسان التي جاءت الأديان من أجل تحقيقها.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى