خاص

خطاب 20 غشت…خارطة الطريق

حمل الخطاب الملكي بمناسبة تعيين أعضاء الهيأة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة القضاء، رسائل كثيرة تسير في اتجاهات تتعدد بتعدد المعنيين بالإصلاح وتشترك في تحقيق غاية واحدة مفادها استعادة الثقة في جهاز القضاء وتحسين صورته أمام المتقاضين. بالقصر الملكي بالدار البيضاء، تولى الملك تنصيب الأعضاء، ومن مكانه ذكرهم بالاهتمام الذي يوليه لهذا الإصلاح الجوهري «الذي جعلناه في صدارة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي نقودها»، لأن العدل ليس أساس الملك فقط بل هو قوام دولة الحق والمؤسسات «وسيادة القانون التي نحن لها ضامنون وتحفيز الاستثمار والتنمية التي نحن على تحقيقها عاملون». الخطاب الملكي ربط بين الإصلاحات السياسية والدستورية الجارية وبين ورش إصلاح القضاء، الذي دشنه في خطاب 20 غشت 2009، معتبرا أن مسلسل الإصلاح الذي بدأ بالدستور الجديد للمملكة، كرس القضاء كسلطة مستقلة قائمة الذات عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وجعل الملك قائما على ضمان استقلال القضاء. بالمقابل تشير البنية التي تتكون منها الهيأة العليا إلى اعتماد «المقاربة التشاركية والإدماجية التي تم اعتمادها في مختلف القضايا والإصلاحات الكبرى٬ بحيث تم الحرص على أن تشمل التركيبة التعددية لهذه الهيأة العليا جميع المؤسسات الدستورية والقطاعات الحكومية والقضائية وتمثيلية وازنة للمجتمع المدني ومختلف الفعاليات المؤهلة المعنية بإصلاح منظومة العدالة”.
ودور الملك لن يقف عن حدود تعيين أعضاء الهيأة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة القضاء، وتوليتها مباشرة توجهات الإصلاح، بل يمتد، من باب الأمين عن استقلالية القضاء والساهر على احترام الدستور، إلى الرعاية والمتابعة٬ بغاية “بلورة ميثاق وطني واضح في أهدافه ومحدد في أسبقياته وبرامجه ووسائل تمويله ومضبوط في آليات تفعيله وتقويمه”.
ولم يخرج الخطاب الذي ألقاه الملك بمناسبة تعيين أعضاء الهيأة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة القضاء، عما ورد في خطاب 20 غشت 2009، والذي يعتبره البعض خارطة طريق أمام أي إصلاح مرتقب، خاصة أن الخطاب جاء مفصلا وتضمن مجموعة من النقاط التي أثير حولها نقاش وخلاف أحيانا.
وكشف مهتمون بالمجال أن النقاط الستة التي تحدث عنها الملك في الخطاب السالف الذكر ستؤطر عمل الهيأة العليا، خاصة أنها جاءت مفصلة، إذ تحدث فيها الملك عن أمور القضاء بتفصيل. وتتمثل أولاها في  دعم ضمانات الاستقلالية، وذلك بإيلاء المجلس الأعلى للقضاء المكانة الجديرة به، كمؤسسة دستورية قائمة الذات، وتخويله، حصريا، الصلاحيات اللازمة، لتدبير المسار المهني للقضاة، وإعادة النظر في طريقة انتخابه، بما يكفل لعضويته الكفاءة والنزاهة، ويضمن تمثيلية نسوية مناسبة لحضور المرأة في سلك القضاء، فضلا عن عقلنة تسيير عمله.
كما أوصى الملك بمراجعة النظام الأساسي للقضاة، في اتجاه تعزيز الاحترافية، والمسؤولية والتجرد، ودينامية الترقية المهنية، وذلك في ارتباط مع إخراج القانون الأساسي لكتاب الضبط، وإعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لمختلف المهن القضائية.
وتتعلق النقطة الثانية بتحديث المنظومة القانونية، وسيما ما يتعلق منها بمجال الأعمال والاستثمار، وضمان شروط المحاكمة العادلة. وهو ما يتطلب نهج سياسة جنائية جديدة، تقوم على مراجعة وملاءمة القانون والمسطرة الجنائية، ومواكبتهما للتطورات، بإحداث مرصد وطني للإجرام، وذلك في تناسق مع مواصلة تأهيل المؤسسات الإصلاحية والسجنية. وبموازاة ذلك، يتعين تطوير الطرق القضائية البديلة، كالوساطة والتحكيم والصلح، والأخذ بالعقوبات البديلة، وإعادة النظر في قضاء القرب. وتأهيل الهياكل القضائية والإدارية، وذلك بنهج حكامة جديدة للمصالح المركزية لوزارة العدل وللمحاكم، تعتمد اللاتمركز، لتمكين المسؤولين القضائيين من الصلاحيات اللازمة، بما في ذلك تفعيل التفتيش الدوري والخاص، بكل حزم وتجرد، وكذا اعتماد خريطة وتنظيم قضائي عقلاني، مستجيب لمتطلبات الإصلاح.
وتحدث الملك في الخطاب نفسه، عن تأهيل الموارد البشرية، تكوينا وأداء وتقويما، مع العمل على تحسين الأوضاع المادية للقضاة وموظفي العدل، وإيلاء الاهتمام اللازم للجانب الاجتماعي، بتفعيل المؤسسة المحمدية، تجسيدا للرعاية الدائمة لأسرة القضاء. والرفع من النجاعة القضائية، للتصدي لما يعانيه المتقاضون، من هشاشة وتعقيد وبطء العدالة. وما يقتضيه ذلك من تبسيط وشفافية المساطر، والرفع من جودة الأحكام، والخدمات القضائية، وتسهيل ولوج المتقاضين إلى المحاكم، وتسريع وتيرة معالجة الملفات، وتنفيذ الأحكام. مع العمل على تخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ، ليساهم بدوره في تخليق الحياة العامة، بالطرق القانونية.

الصديق بوكزول وإحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق