fbpx
الصباح السياسي

ولاة يؤولون الدستور على هواهم

حولوا مفهوم الرقابة على شرعية الأعمال والقرارات إلى وصاية مطلقة
تحول ولاة الجهات رسميا إلى أوصياء على الاستثمار، بعد المصادقة من قبل مجلس النواب الأسبوع الماضي، على قانون إصلاح المراكز الجهوية للاسثمار، وهو امتياز جديد في الاختصاصات، يمنح لهم بعدما ظلت الإشارات السلبية بخصوص ملفات الاستثمار تأتي من داخل مطابخ بعضهم.
وتحول ولاة الجهات إلى «الكل في الكل»، وباتوا يشكلون «بعبعا» بالنسبة لرؤساء جماعات ومناديب إقليميين، يروضونهم كيفما يريدون، إلى درجة أن واليا مولوعا بالصيد والـ»كاربيلا»، بات يعطي الأوامر من المحمية الخاصة التي يصطاد فيها رفقة أصدقائه المقربين الذين يأتون عنده من الرباط ومراكش.
وبات كل شيء ممركزا في يد الوالي، إذ لا يتم التأشير على قرار ما، سواء داخل المؤسسات المنتخبة، أو في إدارة من الإدارات العمومية الواقعة تحت نفوذه، إلا بعد الحصول على الضوء الأخضر منه. ويستبعد العديد من المهتمين بالمطبخ الداخلي لوزارة الداخلية، أن يلعب بعض الولاة دورا مهما في تطوير مضمون سياسة اللاتمركز الإداري، وإعطاء نفس جديد للجهوية المتقدمة التي يراهن عليها في حل مشاكل التنمية والاقتصاد، وما يرتبط بذلك من مشاكل ذات طابع اجتماعي. ولم ترق مرحلة تطوير وظيفة الوالي أو العامل، إلى ما كان الكل يطمح إليه بعد المصادقة على دستور 2011.
ودفعا لمسار اللامركزية الجهوية لما يشكله المجال الترابي من فضاء محفز لتجميع المصالح اللاممركزة لمختلف الوزارات، فإن إحداث هذه المصالح على هذا المستوى الترابي، بدون الوسائل القانونية للتنسيق، على حد قول أحد الخبراء، يعرقل العمل، وتبعا لذلك، لابد من وجود سلطة يمكنها أن تقوم بالتنسيق بين هذه المصالح، وهذا الدور لا يمكن القيام به إلا من قبل الوالي أو العامل، بحكم توفره على مجموعة من الإمكانيات والآليات للعمل من أجل ضمان التنسيق وإنجاح وتطوير سياسة اللاتمركز الإداري، سواء في علاقته مع الإدارات المركزية أو في إطار تنظيم وتسيير الإدارات اللاممركزة.
وإذا كان الدستور الجديد قد حافظ بشكل عام للولاة والعمال على موقع متميز على مستوى أدوارهم ومهامهم، فإنه قد جاء بالعديد من المقتضيات والمتغيرات المهمة التي وجب أخذها بعين الاعتبار، نظير الانتقال من تمثيل الدولة إلى تمثيل السلطة المركزية، إذ نصت المادة 145 من دستور 2011 على جملة من المهام للولاة والعمال، أبرزها تمثيل السلطة المركزية في الجماعات الترابية، والعمل، باسم الحكومة، على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، وممارسة المراقبة الإدارية، و مساعدة الجماعات الترابية، وخاصة رؤساء المجالس الجهوية، على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، والقيام تحت سلطة الوزراء المعنيين، بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية، والسهر على حسن سيرها.
ويستفاد من هذه المعطيات، أن وضعية ودور الولاة والعمال قد شهدت تغيرا عميقا، يأخذ بعين الاعتبار تعزيز أدوار الجماعات الترابية، وإعادة تحديد أدوار مختلف المؤسسات في سياق إعادة بناء نظام الحكامة، بيد أن بعض المسؤولين الترابيين يتجاوزون الاختصاصات، وتحولوا إلى أداة عرقلة بدل حل المشاكل.
ولعل أهم تغيير يتمثل في الوضع الاعتباري العام للولاة والعمال، إذ أصبحوا يمثلون السلطة المركزة في الجماعات الترابية، بدل الدولة كما كان منصوصا عليه قبل دستور 2011. وهو تغيير عميق الدلالة ويأتي منسجما مع تعزيز موقع الجماعات الترابية، خاصة الجهات.
ورغم أن دستور 2011، جاء بمتغير مهم، يتجسد في الانتقال من الوصاية على الجماعات الترابية إلى دور المساعدة، وحصر تمثيلية الولاة والعمال في السلطة المركزية في علاقتها مع المجالس المنتخبة، في محور قنوات الاتصال بين سلط متوازية لا وجود للتراتبية بينها، لكن تسلسل الأحداث، والتجربة المباشرة، بينت العكس، حيث أن العديد من المسؤولين الترابيين مازالوا يحكمون عن طريق التليكومند في الميزانيات، رغم أن الآمرين بالصرف هم رؤساء الجهات والمجالس الإقليمية. ونص دستور 2011 بوضوح على أن التنظيم الجهوي والترابي، يرتكز على مبادئ التدبير الحر، بما يعنيه من أن للجماعات الترابية كامل الصلاحية والحرية في تحديد وبلورة اختياراتها وبرامجها، في احترام تام بطبيعة الحال للمقتضيات القانونية والتنظيمية وبمراعاة للإمكانيات التمويلية المتاحة، غير أنها مازالت بعيدة عن تحقيق ذلك، بسبب تغول والولاة، والتدبير الحر معناه إلغاء مفهوم الوصاية على عمل الجماعات الترابية وكل أشكال الرقابة المتعلقة باختياراتها. واللافت للانتباه، أن أدوار الإدارة وجب أن تقتصر على مراقبة مدى التقيد بالاحترام العام للقوانين، انسجاما مع ما نص عليه الدستور، من أن من مسؤولية الولاة والعمال هي العمل باسم الحكومة، على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، مع التأكيد على أنه لا يمكن تحويل هذه الرقابة إلى أي نوع من الوصاية، إذ أن الدستور عندما أكد على مبدأ التدبير الحر، فهو لم يقيده بأي شكل من الأشكال.
عبد الله
الكوزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى