fbpx
حوادث

اختصاص قاضي المستعجلات في ظهير التحفيظ العقاري

قانون المسطرة المدنية يصطدم مع قانون التحفيظ العقاري في ما يخص التشطيب على التقييد الاحتياطي

(الحلقة الأخيرة)

بقلم: مبارك السباغي *

منح المشرع لقاضي المستعجلات صلاحية التشطيب على أي تقييد احتياطي، إلا أن اختصاصه يبقى منحصرا في التأكد من:
1 – عدم جدية الدعوى المضمونة بتقييد احتياطي.
2 – توفر عنصر الاستعجال تفاديا للضرر الذي قد يلحق بالمالك المقيد ضده التقييد الاحتياطي.
3 – التأكد ( وهذا هو الأهم ) من مبدأ عدم رجعية القانون المراد تطبيقه على طلب التشطيب. لأن كل تقييد احتياطي بناء على مقال للدعوى أدرج بالرسم العقاري قبل سنة 2011، أي قبل دخول القانون 14-07 حيز التطبيق، يبقى خارج اختصاص قاضي الاستعجال.
المثير للجدل، هو أن التناقض الحاصل بين الفصل 152 من قانون المسطرة المدنية والفقرة الأخيرة من الفصل 86 من ظهير التحفيظ العقاري، قد يؤذي ويقضي على الأمن العقاري وما لقانون التحفيظ العقاري من مميزات وخصائص ومتانة وقوة قد تفرغ الفصول 65، 66 و67 و91 من ظهير التحفيظ العقاري من محتواها، لا لشيء سوى أن قانون المسطرة المدنية، الذي هو قانون عام “لا تبت الأوامر الاستعجالية إلا في الإجراءات الوقتية، ولا تمس بما يمكن أن يقضي به في الجوهر” يصطدم مع قانون التحفيظ العقاري، الذي هو قانون خاص في هذه النازلة المتعلقة بالتشطيب على التقييد الاحتياطي. تقول الفقرة الأخيرة من الفصل 86 “يمكن اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرة نفوذها العقار، بصفته قاضيا للمستعجلات، للأمر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي كلما كانت الأسباب المستند عليها غير جدية أو غير صحيحة”. ليس هذا هو الهدف من منح قاضي المستعجلات كل هذا الاختصاص، بل الهدف النبيل والمستساغ هو حماية حقوق الناس من الضياع أي من الضرر المحدق أو الثابت الوجود. لذلك على قاضي المستعجلات كل الحرص على الحفاظ على التوازن بين المتقاضين وعدم قطع طريق التقاضي لأحدهما لأن هذا الطريق طريق من اختصاص قاضي الموضوع. ولا يحق لقاضي المستعجلات البث إلا في ظاهر الوثائق لا الغوص في محتواها.
ولكي لا تصبح هذه الاختصاصات موسعة وشاملة، وجب حذف الفقرة الأخيرة من الفصل 86 تفاديا لتدخل قاضي المستعجلات في موضوع الدعوى، وحرمان صاحب الحق من ضمان حقه المدعى فيه، والذي قد يضيع منه بصفة قطعية بعد التشطيب استعجالا على تقييده الاحتياطي، فيبقى الحكم الصادر لفائدته حبرا على ورق، لا ينفعه سوى في التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء التشطيب على تقييد احتياطي، الذي هو بمثابة مؤسسة ضامنة وحامية لحق تروج دعواه أمام القضاء. للتوضيح فإن الفصل 86 مكرر كاف في حد ذاته في ردع المدعي ذي النية السيئة، أو بدعواه الكيدية والتعسفية، ولا حق لقاضي المستعجلات الأمر بالتشطيب على تقييد احتياطي، مبني على مقال ربما مهدد بالفصل 86 مكرر لا بقاضي المستعجلات. حيث جاء فيه : “على المحكمة كلما ثبت لها أن طلب التقييد الاحتياطي قدم بصفة تعسفية أو كيدية أو عن سوء نية، أن تقضي تلقائيا لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية بغرامة مدنية لا يقل مبلغها عن عشرة في المائة من قيمة العقار أو الحق المدعى به، والكل دون المساس بحق الأطراف المتضررة في المطالبة بالتعويض”.
هذا التضارب وهذا التناقض لا يخدمان الأمن العقاري، ذلك أننا نجد في الفصل 152 من قانون المسطرة المدنية والفصل 86 مكرر منطقا مقبولا وتصورا صائبا وقاعدة قانونية تحمي المتقاضين وتدافع عن حقوقهم خلافا للفقرة الأخيرة من الفصل 86 من ظهير التحفيظ العقاري، التي لا بد من نسخها وترك المجال للفصلين 86 مكرر والفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري للقيام بمهامهما أحسن قيام.
وحتى لو أصبح قاضي المستعجلات مختصا في الأمر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي، فإن الأمر القضائي الصادر منه لا يخرج عن نطاق الفصل الأول و الفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري. فلو كان هدف المشرع تحقيق النتيجة الفورية عن طريق الاستعجال، لأقر بذلك صراحة كما سن ذلك في المادة 218 من مدونة الحقوق العينية التي نقرأ فيها : “إذا وقع التراخي في مواصلة الإجراءات التي تتلو الحجز، أمكن للمحجوز عليه أن يتقدم بمقال إلى رئيس المحكمة المختصة بوصفه قاضيا للمستعجلات، للمطالبة برفع اليد عن الحجز. تبلغ نسخة من هذا المقال إلى الحاجز وفق القواعد المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية. يكون الأمر الصادر برفع اليد عن الحجز نهائيا ونافذا على الفور”.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار مقتضيات المادة 12 من مدونة الحقوق العينية والتي جاء فيها : “كل دعوى ترمي إلى استحقاق أو حماية حق عيني واقع على عقار تعتبر دعوى عينية عقارية”، والمادة 13 من المدونة نفسها والتي تنص على :” إن الدعاوى الرامية إلى استحقاق عقار محفظ أو إسقاط عقد منشئ أو مغير لحق عيني لا مفعول لها تجاه الغير إلا من تاريخ تقييدها بالرسم العقاري تقييدا احتياطيا”، يصح أن نقول بأن إجراء التقييد الاحتياطي قاعدة قانونية، ودستورية خولت لكل شخص متضرر تحمي حقوقه مؤقتا وتبقى سارية المفعول إلى حين صدور أحكام نهائية في الموضوع، لأن مشرع قانون 39-08 لم يحدد لها أي أجل بمعنى أن مفعولها لا ينتهي إلا بانتهاء النزاع قضائيا. هذا ما أكدته المادتان 173 و316 من مدونة الحقوق العينية باستثناء المادة 185، غير أنه نقف على عدة تناقضات مع قانون التحفيظ العقاري الذي حسب الفصل 86 منه، لن يمنح للتقييد الاحتياطي المبني على مقال افتتاحي للدعوى سوى شهرا واحدا، ما لم يتم تمديده بأمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية. وهذا فيه مس ملموس لحقوق عقارية عينية إن ضاعت شكلا (استعجالا) ضاعت موضوعا، وإن بقيت ثابتة بتقييدها المؤقت تبقى تحت رحمة الفصل 86 مكرر الذي بدوره يسلمها للفصل 91 من (ظ.ت.ع) الذي نجده أكثر ضمانا وحماية من الفقرة الأخيرة من الفصل 86 من (ظ.ت.ع).
في تصوري المتواضع، وإيمانا مني بقدسية حق الملكية المضمون دستوريا أن المادة 13 المذكورة أعلاه المتعلقة بحماية الملكية العقارية والحقوق العينية لا يمكن بأي حال، وتحت ذريعة أي مبرر أن تكون الدعوى القضائية المرتبطة بها محدد تقييدها الاحتياطي في شهر كما ورد في الفصل 86 من (ظ.ت.ع)، لذلك وجب الرجوع للفصلـــــــــين 85 و 86 قبل تعديلهما بقانون 07.14 لأنهما أكثر انسجاما مع قانون مدونة الحقوق العينية.
* موثق بالدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى