مقاربة تفسيرية وتحليلية غير مقبولة اخترت نشر تعقيبي الثاني على الأستاذ المحترم «إبراهيم بحماني»، رئيس غرفة الأحوال الشخصية والميراث بالمجلس الأعلى بجريدة الصباح كما الأول، لأن وجهة نظره نشرها في مجلة محترمة وكبيرة القامة، لكنها تدخل بيوت رجال القانون فقط في الغالب، وبالتالي فهي لن تصل إلى أكبر عدد من القراء، ولكن خطورتها تكمن في أن رجال القانون وخصوصا القضاة إذا آمنوا بها ستنفذ على كل المغاربة وتحرم كل طالبات التطليق من المتعة.... بعد أن نشر الأستاذ إبراهيم بحماني تعليقه بالعدد 72 من مجلة قضاء المجلس الأعلى عارضا وجهة نظره التي تتلخص في حرمان كل امرأة طلبت التطليق للشقاق من تحديد المتعة لها ، وكان ردنا عليه على حلقات في جريدة الصباح ، خلصنا فيه إلى أن القرار الذي تكلم فيه عن المتعة لم تتطرق بتاتا فقراته ووسائله للمتعة ، وإنما اغتصبت وحملت سفاحا اسمه المتعة وشرحنا هذا وقلنا أن المادة 97 من مدونة الأسرة التي تتكلم عن التطليق للشقاق وتحيل بشأن المستحقات المترتبة عنه للزوجة إلى المواد 83 و 84 و 85 دون تحديد أو تخصيص ، وقلنا أن المتعة من هذه المستحقات المشار إليها في المادة 84 وقلنا إن القانون بوضوحه الشمسي كان صريحا صراحة لا تقبل أي لي لعنقها وتفسير الواضحات من المهلكات قبل أن يكون من المفضحات ،عاد مرة أخرى الأستاذ بحماني ليحاول أن يأخذ بوجهة نظره التي مازال يعتنقها ولم يرتد عن ملتها ، وها نحن نعود كذلك مرة ثانية للرد على المقال الذي اعتبره مفصلا ليعضد وجهة نظره الداعمة لحرمان طالبة التطليق للشقاق من المتعة ، ونبين له أن طرحه الثاني التوضيحي لرؤيته إن كان محمودا ومشكورا من حيث ثباته في الدفاع عما يعتقده وما يؤمن به، فهو من جهة ثانية غير مفهوم وتفسيره لا ينفع في تعزيز اقتناعه وإقناع الغير به . فأولا : ما بدأ به الأستاذ بحماني تعليقه الثاني التأكيدي هو حديثه عن المتعة في الشريعة الإسلامية، ورغم أن الموضوع والإشكالية ليست محل دراسة أكاديمية نتكلم فيها عن المتعة وذكرها في القرآن والسنة وعند المحدثين والمفسرين وأئمة المذاهب فإن أحسن كلامه وجوهره كان في خاتمة هذه الفقرة حينما أكد على أن المتعة حسب القرآن الكريم ومفسريه يحكم بها في الطلاق سواء أوقعه الزوج قبل البناء أو الطلاق. وأضاف راميا سهمه الأخير الذي به سنعزز طرحنا وطرح طرحه جانبا حين قال : «أما الطلاق للشقاق الذي تطلبه الزوجة فلم يتحدث عنه أحد من مفسري القرآن « أي بعبارة غليظة الكتابة وواضحة لا ظلال تحجبها أن القرآن لم يتكلم بتاتا عن التطليق للشقاق ولم يعرفه ، وأرجع إلى مبحث الأستاذ بحماني الأول الذي تكلم فيه عن المتعة في الشريعة لينتابني الذهول وأنا ألاحظ أنه بدأ تفسير الآية 235 من سورة البقرة وهي بالمناسبة الآية 236 والتي يقول فيها عز وعلا : « لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره بالمعروف حقا على المحسنين « ، فالعجب كل العجب استبد بي وأنا أقرأ للمعلق وهو يبدأ تفسيره لهذه الآية باعتماده على قول الزمخشري فيما جاء في كتابه الكشاف الذي يعتبر أشهر كتبه على الإطلاق ، فالزمخشري هو علامة فارسي ومن أئمة المعتزلة ، وقد برع في الآداب وصنف التصانيف ، وقد حذر مثلا الشيخ أبو إسحاق الخويني من هذا التفسير وقال إن الزمخشري كان أكثر الناس جهلا في الكثير من أمور الدين ( تحذير من بعض التفاسير ) ولن نحتاج إلى تعريف الشيخ الخويني الذي هو أحد كبار علماء الدين الإسلامي المعاصرين وأحد أشهر دعاة الدعوة السلفية حاليا ، ويعده البعض كبير مشايخ الحديث والسلفية فـــــــــي العالــــــــــم .وقد أفرد المعلق مساحة للزمخشري في عرض آرائه وتفسيراته أكثر مما أفرده لابن كثير والشافعي وكان الأولى في رأينا أن تقدم تفاسير علماء السنة كابن كثير وغيره كثير لأننا أصحاب مالك ونعتنق مذهبه قانونا وعملا .وخلص المعلق إلى خمس ملاحظات في تفاسير الآيات المتعلقة بالمتعة لا تمس موضوعنا لا من قريب ولا من بعيد فالمختلعة تهرب من الجمل بما حمل وتطلب فكاكها فقط دون متعة وغيرها من واجبات وبإمكاني أن أستمر في عرض نقدي وتوضيحي لهذا المبحث، لكني أعتقد بأن مناقشة أمر بعيد عن موضوع سجالنا هو مضيعة للكتابة، والقرآن الكريم وتفاسيره العظيمة لم تتكلم بتاتا عن التطليق للشقاق ، وهو نفس ما خلص إليه الأستاذ بحماني في قسمه الأول من المبحث الأول تم انتقل الأستاذ المحترم في قسمه الثاني إلى حكم المتعة في السنة النبوية وهو قسم يتناول متعة الملاعنة في الفقه الإسلامي وليس في السنة النبوية كما قيل ، فشتان بين الفقه الإسلامي والسنة النبوية ، وهذا ليس مقال تفصيلي لشرح ذلك ، ومتعة الملاعنة ليست موضوع هذه المقارعة القانونية فكانت من باب الحشو ليس إلا وتكلم أيضا هذا القسم على أن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها وإنما لها السكنى خلال العدة وهو كذلك هروب من لب الموضوع والمحاججة الذي هو متعة طالبة التطليق للشقاق .لينتقل الكاتب بعد ذلك إلى المبحث الثاني الذي عنونه بالمتعة في الفقه الإسلامي وفيه يتكلم الكاتب باسم الإمام مالك عن التي طلقت ولم يدخل بها وسمي لها صداق والمبارئة والمفتدية والمصالحة والملاعنة واللواتي حسبه لا يستحققن المتعة ، لكن ملاحظة الكاتب الأخيرة بخصوص ما جاء في مدونة الإمام مالك لم تكن واضحة ، حين أكد على أن الفقهاء المالكيين لا يمتعون المطلقة إلا إذا كان الطلاق من قبل الزوج وكان الأفضل أن يزيد وأن الإمام مالك والفقهاء المالكين كانوا لا يعرفون التطليق للشقاق وأن الآية التي استقيت منها كلمة التطليق للشقاق في قوله تعالى « وإن خفتم شقاقا بينهما « ومفسروها لم يتحدثوا عن المتعة في هذه الحالة وهل تستحقها المرأة أم لا .بعد ذلك خلص الكاتب المحترم الأستاذ بحماني إلى التكلم عن المتعة في القانون المقارن والمغربي فتكلم عن المتعة في القانون التونسي وذكر لنا الفصل 30 و 31 من مجلة الأحوال الشخصية ، دون أن يذكر لنا تاريخ صدور القانون ـ لنتأكد ، ومع ذلك بحثنا ووجدنا أن الأمر يتعلق بالأمر المؤرخ في 13 غشت 1956 وما خلصنا إليه هو أن القانون التونسي لا يعرف أي نوع من أنواع الطلاق أو التطليق التي يعرفها قانوننا كالتطليق للضرر والشقاق إلخ ، فهو تكلم في المادة 30 على أن الطلاق يحكم به القاضي بناء على طلب الزوج أو الزوجة فالطلاق عندهم يكون إما بناء على تراضي الطرفين أو بطلب من أحد الزوجين بناء على ضرر لم يحدده القانون ، أو بناء على رغبة أحد الزوجين في الطلاق ، والمشرع التونسي لا يعرف بثاتا مصطلح المتعة خلاف ما جاء في مكتوب الأستاذ بحماني الذي قال : «فالمشرع التونسي جعل تمتيع الزوجة مرتبطا بالضرر « وإنما المشرع التونسي يعرف مصطلح الجراية وهو مكفول للمرأة التونسية و هو أوسع وأكبر بكثير مما هو مكفول للمرأة المغربية فيما يخص المتعة التي لا تتجاوز في أغلب الحالات ثلاثة ملايين كمتعة ، فالجراية في تونس هو تعويض للمرأة عن الضرر المادي الذي أصابها من جراء الطلاق سواء كان من طرفها أو من طرف الزوج فهو مختلف عن الضرر المعنوي الذي هو مكفول للطرفين ويجب إثباته عكس الضرر المادي الذي هو مكفول للمرأة على شكل جراية بمجرد الطلاق ، ويجب إثبات حصوله من الرجل ليمكنه طلب التعويض عن الضرر ، أما بالنسبة للمرأة فيتم تعويضها بضرر مادي عبارة عن جراية كما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 31 من من مجلة الأحوال الشخصية وهذه الجراية يمكن للمطلقة الحصول عليها على شكل مشاهرة بحسب ما اعتادت عيشه في ظل الحياة الزوجية بما في ذلك المسكن ، والجراية يمكن للمرأة أن تطلبها على شكل رأسمال ( قرار تعقيبي مدني عدد 22995 بتاريخ 23 ماي 1989 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1989 القسم المدني ص 205 ) وهذه الجراية يمكن مراجعتها ارتفاعا وانخفاضا بحسب ما يطرأ من متغيرات وهي تستمر إلى حين وفاة المفارقة أو زواجها . بقلم: رشيد وهابي, محام بهيأة الجديدة دكتور في الحقوق