محامون وجامعيون وحقوقيون ناقشوا تطوراتها نظم المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدائرة القضائية بتطوان، صباح يوم السبت الماضي، بقاعة الندوات بغرفة التجارة والصناعة، يوما دراسيا حول موضوع «أي توجهات جنائية معاصرة لمغرب اليوم» مقاربة تحليلية وتقييمية للسياسة الجنائية الوطنية في ضوء التطورات الراهنة للمشهد الحقوقي والتشريعي بالمغرب.... وعرف هذا اللقاء حضورا مكثفا من طرف عدد من المسؤولين القضائيين وفعاليات قانونية وحقوقية محلية ووطنية.وأكد ياسين مخلي، رئيس نادي قضاة المغرب في كلمته، «أن تنظيم هذا اليوم الدراسي يأتي في إطار التوجهات العلمية والحقوقية الجديدة للنادي على أمل إعادة إحياء الثرات العلمي والقضائي بالمغرب بعد سبات طال أمده». كما اعتبر أن هذا اللقاء يأتي من أجل تشجيع البحث الحقوقي والقانوني عبر مختلف أنحاء المملكة وجعل العنصر القضائي القاطرة الرئيسة على درب سكة الإشعاع القانوني والحقوقي..و محاولة منه لمد و وضع اللبنات الأساسية لجسور تواصل قضائي وحقوقي جديد مع فاعلي الفقه والقانون والقضاء، والانفتاح على جميع مكونات المجتمع المدني والهيآت الحقوقية داخل المغرب وخارجه....،.وكذا محاولة منه لنفض غبار الترهيب والتجاهل الذي عاناه عمدا ولا يزال العديد من القضاة من قبل جهات ظاهرة ومتسترة، لم تكتف بإدارة ظهرها على شاكلة عادتها التقليدية، بل أصبحت مصرة على عرقلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة مسيرة التأليف والبحث العلمي الخاصة بالقضاة سيما ما كان منها يتعلق بالرؤى النقدية او التوجهات الإصلاحية ... فضلا عن ميلاد ظاهرة غريبة تتمثل في ظهور أصوات من وراء الستار لا تنشط إلا في توجيه الانتقادات المجانية للكتابات القانونية الإصلاحية أو المقاربات التحليلية النقدية، ولا تجد سبيلا لتحقيق ذاتها إلا عندما يتعلق الأمر بالتضييق المباشر أو غير المباشر، إذ تتفنن في اقتناء عبارات القدح واستحداث اساليب التهجم العشوائي على مضمون الكتابات وشخصية أصحابها كما على رؤاهم الإصلاحية وتصوراتهم المستقبلية في سبيل تكريس سلطة قضائية مستقلة.....إلى ذلك، أكد يوسف بنباصر، الكاتب القانوني والقاضي بابتدائية تطوان، «أن الظاهرة الإجرامية أضحت في الوقت الراهن متفوقة كما وكيفا على جميع آليات التصدي والمجابهة المخصصة لها، سيما تلك المتخذة من المقاربة الأمنية الكلاسيكية، والمبالغة في الاعتقالات الاحتياطية والعقوبات السالبة للحرية كحائطي الصد الأول لمجابهة ظاهرة الجنوح البسيط...، موضحا، «أن جميع المؤشرات الميدانية تؤكد بشكل أو بآخر ، أن الاعتقال والحبس في الجرائم العادية أخذ اتجاها معاكسا للسياسة العقابية المتبعة خاصة، ولإستراتيجية التوجه الجنائي عامة «. وأضاف يوسف بنباصر، «أن نسبة هذه الأساليب التقليدية آخذة في الارتفاع والتزايد دون أن تحقق نتائج ملموسة على مستوى تخفيف حدة تصاعد المد الإجرامي البسيط، وتفادي حالات تكرار العود إليه، في ظل مجتمع استهلاكي مليء بالتناقضات، كما أن الردع الجنائي بنوعيه العام والخاص لم يتأت فرضه رغم الهالة المصطنعة والمبالغ فيها التي منحت لمكنة الاعتقال والعقوبة السالبة للحرية كأسلوب جدير باجتتات الجريمة والردع القهري للمجرم، والتي كان أبرز مناصريها، تيار قضائي تقليدي ومحافظ اثبت الواقع الراهن انه اصبح عاجزا عن مسايرة التطورات المتلاحقة للمنظومة القضائية الدولية، أو تكييف توجهه مع المتغيرات التي فرضت معالمها إفرازات النظام الدولي للعولمة وتحديات الألفية الثالثة .وأشار يوسف بنباصر، إلى أن ارتفاع معدلات الاعتقال في الجرائم البسيطة بتزامن مع استمرارية مسلسل ارتفاعها، يشكل مقاربة تحمل في طياتها كثيرا من التناقض، إذ تقدم بمجموعة من الإحصائيات الميدانية التي تؤكد مشروعية هذا التصور.وتطرق الأستاذ المحاضر بعد ذلك، إلى الحديث عن المؤثر القضائي كعامل مساعد في الارتفاع المبالغ فيه للاعتقال والعقوبات السالبة للحرية في الجرائم البسيطة سواء تعلق الأمر بعمل قضاء النيابة العامة أو قضاء التحقيق أو قضاء الحكم، وإن كانت مسؤوليتها في تكريس هذا الواقع تبدو متساوية. وألقى مصطفى الحنفي، أستاذ جامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان خلال الندوة، عرضا متميزا أثار استحسان العديد من الحضور وشكل مجالا خصبا للمناقشة، إذ لأول مرة يتدخل باحث سوسيولوجي في إطار مقاربة تشاركية ذات بعد نقدي للسياسة الجنائية من حيث المفهوم والأبعاد، وتجليات ذلك في الممارسة اليومية للفرد والجماعة في سياق المنظومة المجتمعية. وتطرق لحبيب حاجي، الفاعل الحقوقي والمحامي بهيأة تطوان، في عرضه إلى موضوع الحركة الحقوقية وتسيس النص الجنائي، متسائلا في عرضه عن مصدر تقنين السياسة الجنائية وسنها مادام أن الفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية يحصر مدى علاقة وزير العدل بالسياسة الجنائية في حدود التنفيذ الميداني لخطوطها العريضة .وأكد لحبيب حاجي، «أن النص الجنائي قبل إقراره تتحكم في ارهاصاته مسببات سياسية أكثر منها مجتمعية وقانونية، وهو الأمر الذي جعل التوجهات الجنائية تتخذ اتجاها معاكسا في اتجاه ما اصطلح على تسميته (المزاجية الجنائية..) ومن جهته، أكد الحسن البوعيسي، المحامي بهيأة القنيطرة ومدير مجلة القصر العوائق القانونية والعلمية لتطبيق العقوبات البديلة للعقوبات السالبة للحرية بالمغرب. كما أوضح، «أن الجهود المضنية والمتضاربة لمجموعة من المؤسسات الفاعلة من أجل استكمال صياغة النص القانوني وإظهاره حيز التنفيذ لم تكن على سبيل العبث أو الاستهتار... بل إن النصوص ما شرعت إلا لتطبق لا لتبقى جامدة ، خاصة متى كان من شأنها المساهمة بشكل فعال في حل ومعالجة معضلة من المعضلات القانونية المستعصية على غرار ما عليه الأمر بالنسبة إلى قانون المسطرة الجنائية الجديد ، والذي أقر مجموعة من الآليات القانونية التي لو تم التعامل معها بطريقة أكثر عملية ، لتم بكل تأكيد الحد من ظاهرة الاعتقالات في الجنح البسيطة وعلى رأس هذه الآليات بطبيعة الحال ، نجد الكفالة المالية والشخصية وكذا مسطرة الصلح . وقدم الحسن البوعيسي مجموعة من الاقتراحات العملية لتعويض العقوبات السالبة للحرية، وعلى رأسها العقوبات الاقتصادية والمالية. يوسف الجوهري (تطوان)