صراعات كادت تعصف بوحدة حزب الحمامة والحركة التصحيحية تكسب الرهان عاش التجمع الوطني للأحرار سنة 2009 على إيقاع هزات كادت تعصف باستقراره الداخلي ووحدته التنظيمية بسبب الصراع الذي احتدم بين عناصر الحركة التصحيحية، ممثلة بغالبية أعضاء المكتب التنفيذي، يقودهم وزير المالية آنذاك، صلاح الدين مزوار، ورئيس الحزب حينها، مصطفى المنصوري، مدعوما بأقلية من المقربين منه، واختلفت التأويلات حينها بين من اعتبر أن للأمر علاقة بما قاله رئيس الحزب آنذاك في حق حزب البام في أحد اجتماعات المكتب التنفيذي، باتهامه حزب الهمة ب "الرجوع بالمغرب إلى سنوات الرصاص"، ومن رأى في قرار تأسيس الحركة التصحيحية، ردة فعل طبيعية لوضعية الجمود التي عاشها الحزب آنذاك بالنظر إلى ضبابية تحالفاته، وعدم الحسم في عدد من القضايا السياسية المطروحة، فضلا عن تقرب رئيس الحزب المنصوري من حزب العدالة والتنمية الذي سانده في محنته.تحركات الحركة التصحيحية بقيادة صلاح الدين مزوار ضد المنصوري، رأى البعض أنها لم تكن بعيدة عن العلاقة التي جمعت عددا من قياديي الحزب بحركة لكل الديمقراطيين، واتهام المنصوري بعرقلة التحالف مع البام، ما جعل الوضع داخل التجمع مفتوحا على جميع الاحتمالات، بشكل ذكر بسيناريو الانقلاب على مؤسس الحزب، أحمد عصمان، خلال المؤتمر الرابع.كما اتهم رفاق مزوار المنصوري بالاستفراد باتخاذ القرارات، وعدم تفعيل هياكل الحزب، وعدم القدرة على تعبئة مناضليه لتحرير طاقاتهم داخل هياكله، والغموض في اختيار التحالفات، ومنح التزكيات في الانتخابات الأخيرة، وعدم عقد اجتماعات داخل اللجنة المركزية والمجلس الوطني، لتقييم أداء الحزب الانتخابي وتوجهاته المستقبلية.وساق معارضو المنصوري مثالين حول «استفراده» باتخاذ قرارات حساسة دون اجتماع اللجنة المركزية، البيان الذي صدر عن الحزب بعد اعتقال أحد برلمانييه تورط في ملف المخدرات، وكذلك استوزار منصف بلخياط، في الشباب والرياضة، مكان نوال المتوكل، التي كانت وزيرة باسم الحزب.وثيقة «التفويض» التي بموجبها أوكل المنصوري لصلاح الدين مزوار صلاحيات داخل تنظيم التجمع الوطني للأحرار، والتي جاء فيها بأن تفزيض هذه الصلاحيات جاء «اعتبارا للظرفية السياسية الحالية لبلادنا والتحديات المستقبلية وما تتطلبه من جهود وتعبئة كل الطاقات داخل الحزب، ونظرا للظروف والوضعية التي يمر بها حزبنا منذ انطلاق الحركة الإصلاحية التجمعية، خاصة في حلقاتها الأخيرة من المسلسل الانتخابي الذي عرفته بلادنا»، لم تمنع ـ هذه الوثيقة ـ عناصر الحركة التصحيحية من مواصلة حشد الأنصار ضد زعيمهم في محاولة للإطاحة به، مع استعجال عقد المجلس الوطني لاتخاذ القرار والقيام بزيارات لكل فروع الحزب بالمغرب.محاولات الصلح بين الطرفين لم تفلح في رأب الصدع الداخلي، إذ تراجع المنصوري عن اتفاق الصلح الذي جمعه بمزوار في أحد فنادق البيضاء، معلنا أن قرار تفويض الصلاحيات التنظيمية لمزوار جاء «بعد لقاءات مثمرة بين بعض قياديي» الحزب «الساعية إلى ضرورة إيجاد حل متفاوض بشأنه، ونزولا عند رغبة بعض القياديين التجمعيين في توسيع إشراكهم في تسيير دواليب الحزب، ومنحهم صلاحيات إضافية تمكنهم من ممارسة اختصاصات أكثر.. من أجل الحفاظ على قوة الحزب ووحدته، ومناعته، ودرء كل ما من شأنه إضعاف شوكته واستعداده للتهييء الجيد لاستحقاقات 2012»، إلا أن ذلك لم يحل دون تطور فصول الصراع بين مناصري مزوار، الآخذين في الاتساع، وأنصار المنصوري الذين ظلوا ينتظرون ساعة الحسم لمعرفة مآل ميزان القوى، وهو ما اتضح لهم بعدما تأكدوا أن مزوار يحظى بدعم «فوق العادة» ونجح في مسلسل تضييق الخناق على المنصوري، فكانت النتيجة أن انتخب المجلس الوطني للحزب بالإجماع، في يناير 2010 بمراكش، صلاح الدين مزوار رئيسا جديدا للحزب خلفا لمصطفى المنصوري، بعدما قررت محكمة الاستئناف بالرباط تأييد القرار الابتدائي برفض الطلب الذي تقدم به دفاع مصطفى المنصوري، بمنع انعقاد المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار الذي دعت إليه الحركة التصحيحية.لذا لم يشكل وصول مزوار إلى رئاسة التجمع الوطني للاحرار أي مفاجأة للطبقة السياسية، فقد كان واضحا أن مزوار المدعوم بغالبية أعضاء المجلس الوطني واللجنة المركزية، يسعى إلى الإطاحة بالمنصوري بعد أن بلغ الخلاف بينهما نقطة اللاعودة، وفشل محاولات الصلح التي حاول القيام بها في آخر لحظة أعضاء من الحزب. وبلغت محنة المنصوري أوجها بسبب تصريحاته التي فقد بسببها السيطرة على نفسه، إذ بادر محمد بوسعيد إلى مقاضاته على خلفية اتهام المنصوري له في اجتماع حزبي، بمطالبته ب «التوسط لدى السلطات في مدينة فاس، حيث كان ينوي الترشح في الانتخابات التشريعية لسنة 2007». وبذلك يكون مزوار ثالث رئيس للحزب الذي تأسس عام 1978 بزعامة الوزير الأول السابق أحمد عصمان، الذي تمت الإطاحة به أيضا من قبل عناصر كانت مقربة منه في السابق.وكان أحمد عصمان، الزعيم الروحي للحزب، شكل، بعد الانتخابات التشريعية لسنة 1977 فريقا برلمانيا يضم أكثر من 148 نائبًا. إلا أنه في سنة 1983 عصف انشقاق بالحزب، ليعلن عن ميلاد الحزب الوطني الديمقراطي، برئاسة محمد أرسلان الجديدي، فيما التحق آخرون بالاتحاد الدستوري.وفي ماي 2007، اختير المنصوري خلفا لأحمد عصمان، لتبدأ مرحلة جديدة لم تخل من توترات داخلية وصراعات التيارات، وظل الحزب يتهم بأنه مكمل للأغلبيات، إذ شارك في حكومات إلى جانب اليمين الإداري، قبل أن يشارك في حكومة التناوب التوافقي، التي جمعت أحزاب الكتلة بأحزاب من اليمين، برئاسة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الأسبق عبد الرحمن اليوسفي، كما انضم إلى حكومة عباس الفاسي، إلا أن اختياره صف المعارضة بعد انتخابات نونبر 2011 حعل عددا من مناضليه يعتبرون الأمر «خطأ سياسيا وسوء تقدير للمرحلة من قبل قيادة الحزب» التي ترى، من جهتها، أن التجمع مطالب اليوم بتوضيح مواقفه وتحالفاته السياسية والدفاع عن استقلال قراراته بعيدا عن أي ضغوطات داخلية أو خارجية. رشيد باحة