فئران وقاعات جراحة غير معقمة ومطابخ متسخة وانعدام الأوكسجين وبناء غير قانوني وتخصصات "عشوائية" صمت رهيب يلف تقارير لجان تفتيش المصحات الخاصة التي أشرفت عليها وزارة الصحة سابقا، وقضت بإشعار الأمانة العامة للحكومة بإغلاق أزيد من عن 13 مصحة بمختلف جهات المغرب تبين أن رأس اصحابها «قاسح» ولا يعيرون اهتماما لتوصيات المفتشين وملاحظاتهم، قبل أن يتحول الموضوع برمته إلى ملف في القضاء الإداري وموجة احتجاج تغيب الجوهر وتتشبث بقشور تأويلات قانونية. الملف اتخذ طابع حملة تطهير لرد الاعتبار لمئات المرضى وأسرهم، يدفعون دماء عروقهم من أجل خدمات طبية لا توجد إلا على الورق، قبل أن يتوقف كل شيء في الطريق وتعود عقارب الساعة إلى نقطة البداية، بل والترويج، على نطاق واسع، للخلفيات السياسية والانتخابية التي حركت الملف. "لا يمكن إنجاح أي إستراتيجية أو سياسة صحية دون إشراك القطاع الخاص"، بهذه الجملة افتتح الحسين الوردي، وزير الصحة، أشغال المؤتمر الوطني للنقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر بالمغرب، المنعقد يناير الماضي بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، قبل أن يسترسل في تسليط الضوء على "فوائد" الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص في تطوير والرقي بالخدمات الطبية والصحية الموجهة للمواطنين.إلى هنا، كان يمكن أن يكون هذا الكلام عاديا ويندرج ضمن برنامج الوزير الذي يلبي بين الفينة والأخرى دعوات لحضور أشغال مؤتمرات وندوات هيآت ومؤسسات تشتغل ضمن نطاق واختصاصات الوزارة، لكن حين تكون المناسبة مؤتمرا وطنيا لهيأة نقابية لم تجف أياديها، بعد، من عريضة دعوى قضائية ضد الوزارة نفسها،.يأخذ الأمر طابع "موقف" يصدر عن المسؤول الجديد يراجع مواقف وقرارات سابقة صادرة عن الوزيرة السابقة.وزير الصحة كان يتحدث في جلسة عمومية مفتوحة أمام جمع من الأطباء والمهنيين وأرباب المصحات الخاصة، ضمنهم مسيرو مصحات صدرت في حقها قرارات وزيرة الصحة السابقة، التقطوا جميعا الرسالة، وأدركوا أن صفحة قديمة من "صراع" الوزارة و"ليكلينيك" طويت، وأخرى بيضاء ناصعة فتحت على التو تحمل شعار "عفا الله عما سلف".وربما لذلك، يفسر كثيرون حالة الصمت المريب التي تلف هذا الملف، في عهد حكومة بنكيران، بالتراجع عن حملة التطهير ضد الفساد والتسيب في بعض المصحات الخاصة التي تحولت إلى مجازر تمتهن الذبح والأشلاء والدماء وتمتص جيوب المواطنين إلى آخر سنتيم، وتسرق أموال الدولة وضرائبها المستحقة.فلم تعد خافية على أحد اليوم بالمغرب مآسي المرضى وعائلاتهم ومعاناتهم مع بعض المصحات الخاصة التي تحولت إلى مغارة للدببة البيضاء في القطب الشمالي، الداخل إليها مفقود والخارج منها معطوب ويحمل كل عاهات الدنيا في جيبه وصحته.لقد عانى القطاع الصحي منذ سنوات من جشع بعض أرباب المصحات وطمعهم الزائد وعملهم خارج المساطر القانونية، حتى قال التهامي الخياري، وزير الصحة الأسبق في لحظة بوح نادرة، إن الدولة تعرف فقط كيف ترخص لفتح المصحات، ولا تعرف كيف تغلقها، وهي الحكمة التي يتحرك على هواها، اليوم، بعض أرباب هذه المصحات الذين شعروا أن «كرامتهم» اهتزت بمجرد أن المسؤولة السابقة عن القطاع حركت ما كان ينبغي أن يُحرك منذ عقود...قبل أن يعود إلى التوقف في الطريق لأسباب علمها في الدوائر الضيقة للوزير الحالي.البداية، حين راسلت وزيرة الصحة الأمانة العامة للحكومة مطالبة إياها بالإغلاق الفوري لمصحات خاصة، وذلك حفاظا على الصحة العامة لخطورتها على المرضى والمواطنين.وكما لاحظ الجميع آنذاك أن طلب الوزيرة جاء منسجما مع التقارير الصادرة عن فرق التفتيش الوزارية الخاصة بمراقبة المصحات الخاصة، والتي أكدت أن المصحات المعنية بقرار الإغلاق لا تحترم أدنى الشروط القانونية لممارسة مهنة الطب واستقبال المرضى وتقديم خدمات طبية لائقة بهم، وبسبب انقضاء الأجل القانوني الممنوح للمصحات لتدارك أخطائها التي وقفت عليها اللجنة نفسها في مراحل سابقة.وبلغ عدد المصحات، التي خضعت للتفتيش منذ 2010، قرابة 50 مصحة، بينما تتحدث وزارة الصحة عن تفتيش 50 مصحة أخرى من أصل 360، خلال سنة 2011.وأعلنت وزارة الصحة عن «احتفاظها بحق اتخاذ كل الإجراءات والتدابير في حق كل مصحة خاصة، لم تستجب للملاحظات المسجلة في تقارير التفتيش، بعد منحها الأجل المناسب»، حسب ما أعلنت الوزيرة السابقة، خلال جوابها عن سؤال شفوي أمام مجلس المستشارين، كما أن اشتغال لجن التفتيش تم بناء على قانون 10-94 المنظم لمهنة الطب، وكذلك مقرر وزيرة الصحة عدد 3 و4 من سنة 2009، المتعلقين بتفتيش المصحات الخاصة والمختبرات الخاصة.وحسب مصادر، فإن بعض المصحات الخاصة بكل من فاس وأكادير والرباط والخميسات والدار البيضاء وبني ملال وابن سليمان وخريبكة ووجدة وتازة والصويرة خضعت، إلى ثلاث مراحل من التفتيش كان الغرض منها إعطاء مدة زمنية كافية لأصحابها للتعاطي الإيجابي مع ملاحظات المفتشين وإدخال الإصلاحات الضرورية على مؤسساتهم وتوفير شروط تقديم خدمات طبية تحترم المعايير المعمول بها في هذا المجال. ومن خلال أكثر من 27 تقريرا توصلت بها لجنة تفتيش المصحات الخاصة، سجل مفتشو الوزارة، في نهاية المرحلة الثالثة، استهتار ما لا يقل عن ست مصحات بفاس وأكادير والرباط والخميسات بملاحظات اللجن، إذ لوحظ استمرار الاختلالات نفسها خلال المرحلتين الثانية والثالثة. كما قام أصحاب مصحات أخرى (بوجدة وبني ملال وفاس والدار البيضاء ومراكش) بإضافة طوابق وبنايات جديدة وزيادة عدد الأسرة والتخصصات دون إخطار المصالح الإدارية المختصة، وهي المصحات نفسها التي تشكو من اختلالات في ما يتعلق بالمعايير الخاصة بالتخصصات الراديوغرافية.بأكادير ووجدة وفاس والدارالبيضاء وبني ملال، اكتشفت اللجن وجود مصحات تفتقر إلى التراخيص الخاصة بالتجهيزات وغياب أطباء متخصصين في الأشعة، وحتى بالنسبة إلى المصحات الخاصة التي استجابت نسبيا، إلى ملاحظات المفتشين مازالت تشكو، من اختلالات في ما يتعلق بالموارد البشرية وتدبير النفايات الطبية ومعالجة الهواء.وقالت المصادر نفسها إن من بين 32 مصحة شملها التفتيش في مرحلة أولى سنة 2011، تسع مصحات لا تستجيب إلى المعايير المعمول بها في هذا القطاع، والأخرى بفاس ومراكش والدار البيضاء وبني ملال ووجدة تشتكي من اختلالات، فيما يتعلق بقاعات الجراحة والمولدات الكهربائية والعنصر البشري، وهناك مصحات بالدار البيضاء مثلا تستقبل مرضى يعانون اضطرابات نفسية وعقلية دون رخصة تخول لها ذلك. "الغيـاب" كلـمـة الـسـر تكررت كلمة «غياب» في تقارير لجن التفتيش مئات المرات، إذ فوجئت بفوضى مطلقة تضرب مؤسسات صحية يؤدي المواطنون مبالغ مالية خيالية للاستفادة من «خدماتها»، وأكدت مصادر أن لجنة بخريبكة وجدت فئرانا تتجول بكل حرية في قاعة للاستيقاظ في مصحة خاصة، وهي المصحة نفسها التي تستغل بها ممرضات وقابلات دون ترخيص قانوني، كما يعقد صاحبها اتفاقا مع صيدلية لاستغلال احتياطي الأدوية الفائضة عن الحاجة بها. كأي حملة تطهير، كان لا بد أن تتعرض تقارير لجان التفتيش إلى وابل من الانتقادات وحملة مضادة قادها نقابيون وأرباب مصحات وصلت حد رفع دعوى قضائية في المجلس الأعلى، والمبرر أن 99 في المائة من الملاحظات بسيطة، ولم يقف أعضاء اللجن على وجود ما يهدد سلامة وصحة المرضى في المصحات الخاصة، مثل عدم التوفر على الأدوية أو التجهيزات الطبية الضرورية. يوسف الساكت