fbpx
حوادثمقالات الرأي

التكييف القانوني والقضائي لعقود الشغل محددة المدة (2/2)

عمل الأجير في الحرث وجني الزيتون والحصاد لا يعتبر موسميا

بقلم: فتحية توزاني*

واستقرت محكمة النقض على أن تضمين المشغل في العقد محدد المدة، شرط يخوله حق فسخ العقد بإرادته المنفردة قبل حلول الأجل المحدد، ما يجعل العقد عقد شغل لمدة غير محددة، الموقف نفسه الذي أخذت به محكمة النقض الفرنسية، على اعتبار أن هذا الشرط يعد مخالفا للنظام العام الاجتماعي، وبالتالي يبطل الشرط ويبقي العقد صحيحا.

أما بخصوص إبرام عقود شغل محددة المدة في حالة ازدياد نشاط المقاولة بشكل مؤقت، فالملاحظ أن المشرع المغربي لم يحدد نوع أو طبيعة العمل وخصائصه، لنميزه بين العمل الاعتيادي والعرضي، فمثلا المقاولة قد تتعاطى إحدى الأنشطة التي تتميز بفترات الطلب على السلع، وقد يكون ذلك بصفة اعتيادية أو غير اعتيادية. إن الطلب على الفنادق في فصل الصيف قد يكون أمرا عاديا، إذ تكون المقاولة مستوعبة تكهنات وفق رسم بياني يخولها اتخاذ كامل الاحتياطات لمثل هذه الفصول.

لكن قد لا تتكهن بارتفاع عدد السياح في موسم شتائي بسبب مثلا وجود مؤتمر دولي، لذلك على القضاء أخذ بحسن نية المقاول بالاقتصار على المدة التي ازداد فيها النشاط بكيفية غير اعتيادية، وأن يستعين في ذلك بالأعراف المهنية وخصوصياتها لاستخراج بعض العناصر المشتركة فيما بينها، لأن العبرة ليست بطبيعة العمل الموسمية، وإنما بصفة مؤقتة أي أنها تزيد أو تنقص بالمقارنة مع السنوات الماضية، كذلك ضمن الحالات التي نص عليها المشرع لاعتبار العقد محدد المدة هو الطبيعة الموسمية للشغل، لكن يبقى السؤال ما هو الموسم ؟

السؤال يطرح إشكالات على القضاء أمام عدم تحديد مفهومه من قبل المشرع، لذلك أخذ القضاء في توجهه أنه ذاك العمل الذي يتكرر عادة كل سنة، وفي تواريخ تكون شبه محددة كجني الثمار أو التصبير، مثلا القضاء الفرنسي مجسد في محكمة النقض الفرنسية، اعتبر في قرار أن عقود الشغل المبرمة لفترة سنة دراسية أو جامعية لا تعتبر موسمية، لكنه اعتبر أن إبرام عقد الشغل في موسم معين يتكرر كل سنة وخلال تواريخ تكون محددة، يعتبر عقدا محدد المدة، أما عن موقف قضائنا المغربي، فقد استخلصت محكمة الاستئناف بالجديدة في قرار لها (قرار عدد 277، صادر عن الغرفة الاجتماعية بمحكمة الاستئناف بالجديدة بتاريخ 08/11/2004 ملف عدد 167/02/04 ) أن العامل الذي كان يشتغل غطاسا في البحر من أجل جمع الطحالب ولفترة معينة مرخص بها من طرف مندوب الصيد البحري، يعتبر أجيرا موسميا بناء على بطاقة الشغل التي تحمل عبارة موسمي، ولأن مهنة الغطاس لجني الطحالب تكون خلال المدة المرخص بها من طرف السلطات المختصة، كما اعتبر قرار لمحكمة النقض( قرار عدد 135 صادر عن الغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض بتاريخ 9/2/2005 ، ملف عدد 1051/2004 ) أن الأجير الذي يشتغل في الحرث وجني الزيتون والحصاد وتنقية الأشجار وسياقة الجرار، لا يعتبر عمله عملا موسميا نظرا لطبيعة العمل الذي يقوم به، وقد ساير في ذلك محكمة النقض الفرنسية التي اعتبرت بأن الأجير الذي يشتغل في مقاولة موسمية خلال كل فترات أنشطتها (جني البطاطس، الطماطم، البرتقال )، مرتبطا بعقد شغل غير محدد المدة.

ومن وقائع قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط ( قرار عدد 89/9595 بتاريخ8/1/1991) جاء فيه إن العمل الذي يؤديه المستأنف عليه كان موسميا ينتهي بحلول فصل الشتاء ولا يعود إلا عد فصل الربيع نظرا لتهاطل الأمطار ووجود الأوحال في الأسواق”.

من منطلق هذه القرارات وأخرى، يجد القضاء المغربي نفسه أمام غموض النص القانوني مجبرا على إعادة تكييف عقود الشغل من عقود محددة المدة تنتهي بانتهاء مدتها المتفق عليها في العقد، دونما استحقاق الأجير لأي تعويضات خاصة منها التعويض عن الفصل التعسفي والتعويض عن مهلة الإخطار والضرر، والتي تقيه من العوز والفقر طيلة الفترة التي يبحث فيها عن عمل آخر، أو تكييفها على أنها عقود غير محددة المدة بغض النظر عما تم الاتفاق عليه بين الأجير ومشغله، إيمانا من القضاء بوجود علاقة تعاقدية يذعن فيها الأجير لإرادة المشغل في تحرير عقد يحرره من تحمل أعباء التعويضات المستحقة عن الفصل التعسفي للعقد غير محدد المدة.

إن التدخل الإيجابي للقضاء المغربي ممثلا في محكمة النقض في سبيل تغيير الوصف القانوني للعقود من محددة المدة إلى غير محددة المدة، وإن كان لا يخلو من تراجعات، لكن لا تجب المغالاة في إعطاء القضاء صفة الهيأة التي تقوم بالإصلاح الجذري، وإن كنا نرى فيه المؤسسة التي تساهم في ذلك إلى أقصى حد. لذلك نناشد المشرع المغربي التدخل من أجل تضمين هذه الاجتهادات في نصوص قانونية ضمن مواد الشغل، حتى يجد القضاء سندا قانونيا يعتمد عليه في تعليل أحكامه، بدل استناده في كثير من الحالات من أجل إعادة تكييف الوصف القانوني لهذه العقود على مبادئ العدالة والإنصاف.
* أستاذة القانون المدني ومدونة الشغل بكلية امغيلة ببني ملال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى