fbpx
حوادثمقالات الرأي

التكييف القانوني والقضائي لعقود الشغل محددة المدة (1/2)

المشرع المغربي لم يخضعها لشكلية الكتابة

بقلم: فتحية توزاني*

تعتبر عقود الشغل محدد المدة، أحد أهم أشكال عقود الشغل، بقدر ما هي تشكل مفتاحا للفرج بالنسبة للشباب للخروج من شبح البطالة والولوج إلى عالم الشغل ولو لمدة محددة سلفا، بقدر ما أصبحت أداة طيعة في يد المشغلين وستارا تختفي وراءها عقود شغل غير محددة المدة، للتهرب من آثار هذه الأخيرة، التي تحرم الأجير من التعويضات المنصوص عليها قانونا في حالة تسريحه دون مبرر قانوني، ليجد الأجراء أنفسهم، بعد أن أفنوا ربيع عمرهم في خدمة مقاولة معينة معرضين للبطالة، تحت مبررات انتهاء مدة العقد أو إنجاز شغل معين، ويبقى أمامهم الملاذ الوحيد هو تدخل القضاء عساه يعيد تكييف عقودهم ويعطيها الوصف القانوني المناسب لاستخلاص الآثار المترتبة عنها.

في هذه الدراسة سنبرز موقف المشرع المغربي من خلال مدونة الشغل، في تكييف عقود الشغل محددة المدة، وموقف القضاء مجسد في محكمة النقض وبعض محاكم الموضوع.
– التكييف القانوني لعقود الشغل محددة المدة.

نصت مدونة الشغل في المادة 16 على إبرام عقد الشغل لمدة محددة أو لمدة غير محددة أو لإنجاز شغل معين، محددة حالات عقد الشغل المحدد المدة في إحلال أجير محل أجير آخر في حالة توقف عقد الشغل هذا الأخير، ما لم يكن التوقف ناتجا عن فترة الإضراب، وازدياد نشاط المقاولة بكيفية مؤقتة، فضلا عما إذا كان الشغل ذا طبيعة موسمية.

وتركت الفقرة الرابعة من المادة نفسها المجال مفتوحا لإحداث حالات أخرى للعقد محدد المدة في بعض القطاعات وبصفة استثنائية، على أن يحدد ذلك بموجب نص تنظيمي بعد استشارة المنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا، أو بمقتضى اتفاقية الشغل الجماعية. كما يمكن في القطاعات غير الفلاحية، عند فتح مقاولة لأول مرة أو مؤسسة جديدة داخل المقاولة أو إطلاق منتوج جديد لأول مرة، إبرام عقد الشغل لمدة أقصاها سنة قابلة للتجديد مرة واحدة، فضلا عن حالات عقد الشغل المحدد المدة التي وردت على سبيل الحصر في الفقرة الثالثة من المادة 16، أوردت المادة 13 ضمن ذلك أيضا حالة العمل خلال فترة الاختبار.

ورغم عدم التنصيص على ذلك صراحة، إلا أن ذلك يفهم مما ورد فيها أنه يمكن خلالها لأحد الطرفين إنهاء عقد الشغل بإرادته دون أجل إخطار أو تعويض.
ويعد العقد محدد المدة حلا جزئيا تلجأ إليه المقاولة في الأعمال التي لا تكون إلا مؤقتة، فاللجوء إليه هو إعانة استثنائية في إطار العمل المؤقت أو الموسمي، أو التي تكمل عمل الأجراء القارين في المقاولة، عندما يتعلق الأمر بأجير وقتي.

كما أنها عقود تظهر من خلال النظرة الأولى للنص التشريعي، أنها لا تثير أي غموض أو إبهام حول تحديدها، لكن التمييز بين عقود الشغل محددة المدة وغير محددة المدة، ليس يسيرا في كل الحالات، سيما أن المشرع المغربي لم يشيد الركائز الأساسية للعقود محددة المدة، إذ اقتصر على التسمية مع ذكر بعض خطوطها العريضة، وهي لا تسمح في العديد من الاحيان باستخلاص صفة العقد محدد أم غير محدد المدة.

وأول إشكال يطرح للمهتمين، يتمثل في أن المشرع المغربي لم يخضع عقد الشغل محدد المدة لشكلية الكتابة، إذ أن المادة 18 من مدونة الشغل نصت على أنه يمكن إثبات عقد الشغل بجميع وسائل الإثبات، بخلاف التشريعات المقارنة كالتشريع الفرنسي والجزائري اللذين جعلا الكتابة شرطا أساسيا لإبرام هذا العقد، وعند إغفال هذه الشكلية يعد العقد مبرما لمدة غير محددة، لذلك يجد القضاء في كثير من الأحيان صعوبة في التمييز بين العقدين محدد المدة وغير المحدد المدة.

– التكييف القضائي لعقود الشغل محددة المدة
وبخصوص تكييف القضاء لعقود الشغل محددة المدة بانتهاء المدة المتفق عليها بين الأطراف، إذا كان محددا سلفا، أو بانتهاء الشغل المتفق عليه، أبان الواقع أن بعض المشغلين يواظبون على تجديد هذه العقود باستمرار، غير مراعين في ذلك المدة القصوى التي حددها المشرع للتجديد، كما حددتها المادة 17 من مدونة الشغل وهي سنة، أو إبرام عقد شغل محدد المدة مع تجديده كل مرة، أو استمرار النشاط الذي يدعون أنه موسمي بصفة مستمرة، وغير ذلك من الحيل التي يستعملها أرباب العمل للتنصل من الالتزامات الملقاة على عاتقهم، حين يكون العقد غير محدد المدة، لكن القضاء المغربي وخاصة منه الحديث، تنبه لمثل هذه المراوغات من قبل المقاولين في كثير من قراراته الحديثة، واعتبرت محكمة النقض في مثل قرار لها ” أن عقد العمل الذي يبرم لمدة محددة في سنة واحدة ثم يجدد كتابة كل سنة للمدة نفسها ولعدة سنين، يعتبر عقدا غير محدد المدة لأن تحديده وتجديده، إنما هو وسيلة يهدف من ورائها المشغل إخفاء وجود عقد شغل غير محدد المدة للتهرب من الآثار القانونية للعقد المذكور”.

هذا التوجه الذي أخذت به محكمة النقض، مقنن تشريعيا من قبل المشرع الفرنسي بمقتضى قانون 03 يناير 1979 المتعلق بنظام العقود المحددة الذي جعل العقود المحددة المتتابعة تولد مجتمعة عقدا غير محدد المدة يقتضي عند الإنهاء مراعاة أحكامه.

الأمر نفسه، ينطبق على الاسترسال في إبرام عقود الشغل محددة المدة، أي إبرام عقد شغل لمدة محددة ثم يجدد كل مرة ولفترات قد تمتد لسنوات، وإن كانت بينها فترات متقطعة توحي بأنها غير متجددة، كانت تعتبره محاكم الموضوع عقودا محددة المدة اعتمادا على مبادئ العدالة والإنصاف وتشبثا بإرادة المتعاقدين، إلا أن محكمة النقض كان لها موقف معاكس في العديد من القرارات الحديثة واعتبرته عقدا غير محدد المدة.
* أستاذة القانون المدني ومدونة الشغل بكلية امغيلة ببني ملال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى