fbpx
بانوراما

في خيمة علام … بنت القرشي

في خيمة علام (الأخيرة)

لم تخل أيام الصيف من مواسم حج إليها الفرسان من المدن قبل البوادي وضاقت المحارك بالخيل في تجمعات صغيرة وكبيرة، وتسابق أصحاب السربات على حجز بطاقات المشاركة في مسابقات التبوريدة، التي زادت مجهودات الأميرة الراحلة للا أمينة من حدة التنافس فيها، إذ أصبح لـ “العلامة” هدف سنوي من خلال محاولة الظفر بواحدة من جوائز المسابقة الوطنية بدار السلام، ما نجمت عنه عودة الروح إلى طقوس وتقاليد نجت من حكم النسيان بفضل رجال لم تخطئ العيطة عندما قالت في حقهم “مالين الخيل خرجو الفعايل”.

لم تعد مشاركة الجنس اللطيف في التبوريدة رمزية كما كانت في السابق، بل أصبح الوافدون على مواسم الخيل ينتظرون بشغف أكبر ظهور سربات الفارسات، إذ ظهرت مقدمات مثل حنان غلان التي ورثت الولع بركوب الخيل من جديها، ولم يتردد العارفون بتاريخ الفروسية التقليدي بالشاوية في إعطائها لقب جدها من أمها القايد القرشي الذي كان ذائع الصيت في منطقة الهراويين.

حنان التي دخلت عالم الحبة والبارود في 2007 بسربة من سبع خيالات أصبحت اليوم تقود سربة المحمدية التي تحتكر الريادة منذ مدة، وهي رئيسة جمعية فرسان بنات القرشي ونائبة أمين مال الفدرالية الجهوية للتبوريدة بجهة البيضاء- سطات.

وكسرت فارسات كثيرات من حنان طوق الأبوية الطاغية في خيام الفروسية التقليدية، التي لم تعد حكرا على الرجال، بل تجاوزتهم إلى شابات شغوفات يحدوهن طموح كبير للإمساك بعنان الحصان ووضع القدم في الركاب، والإقدام على إطلاق النار تماما كما يفعل الرجال والصمود أمام صدى البارود، فقد خرجت مجموعات نسائية إلى ميادين الفروسية للجلوس في نخوة أنثوية على السروج المبثوثة على صهوات المهور في لحظة شغف واحتفال بفُرجة استثنائية أغرت الرجال بالوقوف مبهورين في مواجهة مشهد غير مسبوق.

وكانت نظرة الرجال في البداية تستصغر مشاركة فتاة في السربة، لكن دخول السربات الحضرية خفف من محافظة القرى وفتح الباب أمام مشاركة النساء، بعدما كان ذلك قبل عقدين أو أكثر يعتبر من “قلة الترابي”، لكن إصرار بعض الآباء حال دون إقصائهن، فقد أرغم بعضهن على ارتداء ملابس الفرسان حتى لا يثرن الانتباه والامتعاض. ومع مرور الوقت كشفن عن هويتهن وبدأت النظرة تتغير شيئا فشيئا.

لم تكن طريق بنت القرشي لأن تحمل لقب لبؤة المحرك مفروشة بالورود، وإنما صادفت عراقيل كثيرة تجسدت بالخصوص في أشخاص استخفوا بقدراتها لمجرد كونها امرأة، إذ قررت اقتحام مجال مصنف ضمن لائحة “للرجال فقط”، وتتذكر كيف أنها لم تجد الدعم، في وقت من الأوقات إلا من خالها الذي أقنع والدتها بضرورة السماح للبنت ذات الخامسة عشرة بالتبوريدة، لأنه أدرك قبل الآخرين أنها تملك أهم خصال الفرسان ألا وهي شدة الاهتمام بالحصان.

ولا تمل حنان غزلان من الحديث عن جدها القايد القرشي بفخر كبير واعتزاز بمنجزاته في المحارك والمواسم وتستحضر حكاياته وتستشهد بعشقه لفن التبوريدة، زمن بداية الاستقلال ولا تتردد في الترافع عن وطنيته وغيرته وحبه للملك الراحل محمد الخامس.

ولم يمارس فن التبوريدة سحره على المغربيات فقط ليخضن غمار الميادين على ظهور الجياد، وإنما أغرى الأمر بعض النساء الغربيات أيضا ومنهن المواطنة الكندية كلير دوشي، التي تركت عملها لدى الأمم المتحدة وحضرت إلى المغرب للانضمام إلى فريق نسائي، مؤكدة شغفها بهذا الفن وأنه طريق سالكة لمعرفة الكثير عن الشرق، إذ صرحت “وقفت بفضل الفروسية المغربية على الكثير من الحقائق والإشكاليات التي لم أكن لأعرفها وأستوعبها لو اخترت العمل من المكتب”.

ياسين قطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى