34 حزبا بتوجهات متشابهة وغياب المشاريع المجتمعية وتقاطبات مشوهة تبنى المغرب مبدأ التعددية ، منذ أن وضع اللبنات الأولى لإنشاء دولة ديمقراطية، تقوم على التعددية السياسية، والفكرية، الثقافية، وفصل السلط، ورفض الحزب الوحيد. لكن، بعد مروربضعة عقود على الاستقلال، وعلى اختيار نظام التعددية الحزبية، تبين لصناع القرار استحالة تطبيق هذا المبدأ بشكل سليم، في ظل الصراع المحموم الذي كان دائرا آنذاك، بين النظام، من جهة، والأحزاب المنبثقة من الحركة الوطنية، من جهة أخرى، ما دفع الدولة إلى الانخراط في لعبة تحقيق التوازنات، عبر آلية خلق أحزاب إدارية، تُمكنها من تخفيف ثقل الأحزاب التاريخية، وبالتالي، الحد من التهديد الذي كانت تمثله ، بالنسبة إلى النظام، وهو ما حدث مع "الفديك"، والتجمع الوطني للأحرار، ثم مع الاتحاد الدستوري، في سياقات تاريخية مختلفة, لم تتمخض عن التعددية السياسية بالشكل الذي طُبقت به، تعددية حقيقية ترتكز على مشاريع مجتمعية واضحة الملامح، والمرجعيات، والأهداف. ما ميز الحقل السياسي الوطني، طيلة العقود الخمسة التي تلت الاستقلال، لم يتجاوز عملية التحكم في الخريطة السياسية، ساهمت في إضعاف الأحزاب الوطنية، وقادت إلى حالة من التشرذم، انبثقت عنها خريطة سياسية مبلقنة. نجحت العملية في تقليص حجم الأحزاب الوطنية وتأثيراتها، وتناسلت، بالمقابل، أحزاب، نشأت العديد منها عبر عمليات انشقاق، التي تعتبر أحد سمات المشهد السياسي. ظهر إلى الوجود أزيد من 30 حزبا سياسيا ، تمتد توجهاتها من اليمين إلى اليسار إلى الوسط، لكن دون أن يقابلها عدد مماثل من المشاريع المجتمعية. هناك تداخل في المرجعيات، وتشابه بينها، وبين برامجها، وهو ما لم يكن يُسعف المواطن في استيعاب الخريطة السياسية. تعددت أطياف اليسار، فكان اليسار الذي شارك في تدبير الشأن العام، وآخر ظل في المعارضة، ويسار راديكالي يمثله النهج الديمقراطي. كما تعددت أطياف اليمين، ما بين حزب تاريخي، مثل الاستقلال، وأحزاب يمينية إدارية( الاتحاد الدستوري، التجمع الوطني للأحرار) تأسست في سياقات معينة، وبأهداف مرحلية. وتضببت الرؤية، بسبب مشاركة أحزاب في الحكومة، وأخرى ظلت خارج تدبير الشأن العام.انطلق الاتحاد الاشتراكي بمرجعة اشتراكية، في الوقت الذي حافظ حزب الاستقلال على مرجعيته المحافظة المستمدة من إسلام تقليدي، ومعانقة قيم اليمين. توالت الانشقاقات، فخرجت من رحم العديد من الأحزاب، الاتحاد الاشتراكي، بالخصوص، أحزاب جديدة، واضطربت الأمور أمام الرأي العام، الذي عاش تحت وطأة مشهد سياسي مُبلقن.في لحظة ما، وفي سياق تاريخي مختلف، "وفد" على الحقل السياسي حزب الأصالة والمعاصرة، بهدف ممارسة السياسة بأسلوب جديد. جاء، ظاهريا، من أجل الإسهام في عقلنة المشهد السياسي، وتحقيق التقاطبات السياسية المنشودة ، لكن المبرر الذي حركه في العمق، للخروج إلى العلن، يتجلى في التصدي للتيار الإسلامي المعتدل، الذي يمثله حزب العدالة والتنمية، الذي كان يزحف بخطى ثابتة نحو اكتساح المشهد السياسي، والتحول إلى قوة سياسية أولى. تباينت التأويلات حول ظاهرة " البام"، إذ وُصف في البداية بـ "الفديك" الجديد، لكن بعد مضي شهور على تأسيسه، تبين أنه تحول إلى خطر حقيقي على الديمقراطية، على اعتبار أنه انخرط في مشروع يروم الهيمنة على الحقل السياسي، ما جعل العديد من الملاحظين يؤكدون أنه نسخة مكررة لتجربة الفديك، وإن في سياق مختلف. بل الأخطر من ذلك، أن "البام" كان يسير بثبات ليتحول إلى الحزب الأغلبي، الذي عانت منه عدد من الدول قبل أن تطيح به الثورات العربية، في إطار ما سمي بالربيع العربي.عاش المغرب إلى حدود انتخابات 2002 ظاهرة مكثفة اسمها تناسل الأحزاب، وكان ملفتا للانتباه أن الحقل السياسي الوطني أصبح يعاني ظاهرة ميلاد دكاكين حزبية، بين فترة وأخرى، تشتد بالخصوص، قبيل الاستحقاقات الانتخابية، إذ كانت تعلن العديد من الأحزاب عن تأسيسها، ثم تختفي بعد الانتخابات، مما كان يطرح السؤال حول مشروعية الظاهرة. وكانت من بين التفاسير المقدمة لشرح هذه الظاهرة، حرص بعض "الفاعلين السياسيين" على الحصول على الدعم العمومي الممنوح للأحزاب، خلال فترات الانتخابات.صاحبت الظاهرة، أخرى عاناها المشهد السياسي، ويتعلق الأمر بالترحال السياسي، الذي أسهم في الإساءة إلى العمل السياسي، وتبخيس الممارسة البرلمانية، ومن حسن الحظ أن قانون الأحزاب الجديد، الذي خرج إلى الوجود، في خريف السنة الماضية(2011)، ساهم في وضع حد للترحال، وبلقنة الخريطة السياسية. جمال بورفيسي