fbpx
بانوراما

السلطات شجعت المد السلفي الوهابي

شيوخ السلفية… مراجعة أفكار أم معتقدات؟ 5

أعلن شيوخ السلفية، من داخل السجون، عن مراجعة أفكارهم، ليتم إطلاق سراحهم، بعدما أبانوا عن تغير في سلوكاتهم، ولو بدرجات متفاوتة، فهناك من انقلب على الفكر السلفي وأصبح من أشد المتصدين له، مثل عبد الوهاب رفيقي، الملقب، في فترة الدعوة، بأبي حفص، والذي يتصدى لكل الأفكار التي يروجها التيار السلفي بالمغرب.
بالمقابل، ما يزال أغلب شيوخ السلفية، رغم إعلانهم المراجعة، متشبثين بالفكر السلفي ويعتبرونه منهاجا للحياة لا يمكن التخلي عنه ويتعين على المجتمع أن يعتنقه، لكن ما تغير لدى هــذا الصنف من شيوخ السلفية هو منهجية الدعوة وعــلاقتهم بالنظــام، إذ قلـت حــدة الانتقــادات.
ومن أجــل تسليط الضوء أكثر على هذه التجربة تستضيف “الصباح” في حلقات نمــوذجين من شيــوخ السلفيــة، أحــدهما عبــد الكــريم الشـادلي، الـذي راجع أفكاره وطـريقة التعبير عــن مواقفه من الدولــة ومؤسساتهــا، لكنــه يظــل متشبثا بالفكر السلفي، والثاني عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص)، الذي انقلب بشكل جذري على التيار السلفي.

أبو حفص: العقائد السلفية كانت تدرس في المدارس الدينية المعترف بها

ماهي القناعات التي كنت تحملها في السابق وتخليت عنها بعد المراجعة؟
كما أشرت سابقا المراجعة بالنسبة إلي كانت عملية نقد ذاتي للأفكار التي نشأت فيها وتربيت عليها والتي كان يؤطرها في ذلك الوقت الفكر السلفي الوهابي. وقد كنت ضحية آنذاك، مع جيل معي، لسياسات عمومية اختارت تشجيع المد السلفي والوهابي من أجل محاربة تيارات وتوجهات أخرى، فكانت العقائد السلفية الوهابية تدرس في المدارس الدينية المعترف بها من قبل السلطة والتي كانت تعد بالمئات، كما كانت تبث من خلال خطب الجمعة في المساجد الرسمية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، كما كانت هذه العقائد تنشر بواسطة الكتب التي توزع مجانا بمآت الآلاف من النسخ لأن سياسة النظام في ذلك الوقت شجعت المد السلفي الوهابي على أن يخترق التدين المغربي، وعلى أن يساهم في تأطير التدين، وهو ما جعل جيلا في ذلك الوقت، لم أكن سوى واحد منهم، تربى ونشأ على أن النسخة الوهابية هي النسخة الوحيدة للإسلام. أنا مع القراءات التي كنت أقرؤها التي يسر لي الاطلاع عليها، خاصة أنني اتخذت قرارا مهما جدا وأنا داخل السجن، وذلك بأن أنفتح قدر المستطاع على كل التيارات وعلى كل العلوم والفنون، التي لم يسبق لي الاحتكاك بها في ما قبل بحكم أنني نشأت في بيئة متدينة ودرست في مدارس دينية موازاة للمدرسة النظامية، كما أن دراساتي الجامعية كانت في التخصص نفسه وكنت خلالها ضيفا على المدرسة الوهابية، فلم تكن لي الفرصة للاطلاع على باقي العلوم، خاصة منها العلوم الإنسانية.

كيف قررت الانفتاح على مراجع أخرى غير دينية؟
ساعدني قرار المراجعة كثيرا لأنني انفتحت على مختلف العلوم الإنسانية، من فلسفة وتاريخ وعلم الاجتماع وقانون، وغيرها من العلوم الأخرى واستمررت سنوات على ذلك المنوال، وحصلت على شهادات جامعية في هذا الباب، ما فتح لي بشكل كبير حيازة الأدوات التي سأتمكن بها من نقد الأفكار السلفية التي نشأت عليها.
وخرجت بعدد من النتائج، التي من أهمها الانعتاق من الإيديولوجية، وكان ذلك أهم فكرة استفدت منها وأهم فرق بيني اليوم وما كنت عليه سابقا. فعندما أتحدث، اليوم عن الدين، لا أتحدث عنه باعتباره إيديولوجية، بل بصفته علاقة بين الخالق والمخلوق، وليس كإيديولوجية تسيطر على المجتمع وعلى الناس وعلى أفعالهم وحركاتهم وسكناتهم.
لا أعتقد، اليوم، كما كان بالأمس، أن الدين بمثابة إيديولوجية سياسية واجتماعية واقتصادية تحكم المجتمع، بل أعتبر أن كل ما يتعلق بالسياسة وبالاقتصاد والاجتماع وكل ما يتعلق بالمنتوج العقلي والتدبير الدنيوي هو خارج إطار الدين، والناس لهم كل الفرصة فيه من أجل الإبداع والاقتراح والاجتهاد والتجديد فيه حسب ما يرون من مصلحة. ويعتبر هذا الانتقال كبيرا بالنسبة إلي.

ما هي الخلاصات الأخرى التي توصلت إليها؟
من أهم الخلاصات التي توصلت إليها، إضافة إلى انعتاقي من كل القوالب، أني وجدت نفسي، عندما كنت بصدد عملية المراجعة، داخل قوالب متعددة وأنه لا يسمح لي بالخروج من هذه القوالب، فقمت، بمساعدة المعرفة، بالتمرد على كل هذه القوالب وخرق هذه الأنظمة والانتقال من الفكر المؤطر والمؤدلج والنمطي الموروث إلى التفكير الحر وهو ما أؤمن به اليوم، لا أنتمي، حاليا، لإيديولوجية معينة ولا أحب أن أنسب لأي تيار له قالب معين، بقدر ما أركز على أني إنسان حر أفكر وأختار كما أشاء، وأحدد قناعاتي حسب ما وصلت إليه، دون أن يكون هناك أي متحكم خارجي في التصورات والقناعات التي أحملها.
هذه علامات كبرى سيندرج، بطبيعة الحال، تحت كل واحدة منها، عدد من الاختيارات والمواقف المتعلقة بالقضايا المجتمعية والعلاقة مع الآخر والنظرة إلى المجتمع. وانعكس ذلك الانعتاق والتحرر على مجموعة من المواقف المعروفة عني اليوم.
عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى