fbpx
تقارير

المرشـدات … “أسلحـة صامتـة” لمحاربـة التطـرف

تجربة نوعية انطلقت في 2015 من أجل إبعاد شبح التشدد عن النساء غير المتعلمات

أعلن المغرب عن تأسيس معهد “محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات” في 2015، استجابة للتحولات الإقليمية التي باتت تهدد الأمن الروحي للمغاربة، سيما في ظل الثورة المعلوماتية التي قلبت العالم رأسا على عقب. وصارت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحارب التشدد بصيغة المؤنث، إذ تكون عشرات المرشدات الدينيات، من أجل إبعاد شبح التطرف عن النساء.

لم تعد مهمة إلقاء الدروس الدينية الهادفة إلى محاربة التطرف مهنة رجالية فقط، فحتى النساء بإمكانهن القيام بهذه الوظيفة، بعد الإعلان عن تجربة المرشدات الدينيات في 2015، التي شكلت طفرة نوعية في مجال إبعاد التشدد عن النساء وتمكينهن من دروس الوعظ ومحاربة الأمية.

محققات السلام وسط “قنابل الفقر”

لاشك أن تأسيس معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، يأتي في إطار المقاربة الدينية التي تنهجها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من أجل إبعاد شبح التطرف عن الشباب المتدينين، بسبب انتشار المعطيات المغلوطة في العالم الافتراضي، الأمر الذي يصعب مهمة ضبط الحقل الديني، لذلك فإن المعهد الجديد يضطلع بأدوار إستراتيجية خلال الظرفية الحالية.

ونجح المغرب في إشاعة قيم التسامح والاعتدال وسط الشباب، في خضم الثورة المعلوماتية وحرب الأفكار المتطرفة، بفضل برنامج المرشدات الدينيات الذي تبوأ مكانة مهمة في القارة السمراء، إذ يحتضن مجموعة من الطلبة الذين يتحدرون من دول جنوب الصحراء، وتستغرق الدراسة ثلاث سنوات، تتعلم فيها المرشدة الدينية كيفية إلقاء دروس الوعظ وتعليم النساء الأميات، ثم تكريس النموذج المغربي المعتدل، الذي صار نموذجا يحتذى به في العالم.

“مرشدات يافعات… متعلمات شائخات”

لم تعد المساجد مكانا للصلاة فقط مثلما كان معمولا به في السابق، بل أصبحت فضاء مناسبا لتعلم الشؤون الدينية ومحاربة الأمية، عبر قاطرة المرشدات الدينيات، اللواتي استطعن تكسير القاعدة التقليدية، التي مفادها أن الخطاب الديني مرهون بالرجال فقط.

شابات يافعات يقدمن دروس الوعظ والإرشاد لنساء لم تسعفهن الحياة لرؤية مقاعد الدراسة، ليصبحن بذلك دليل هذه الشريحة العريضة من النساء لمحو الأمية وتعلم كيفية ممارسة الشعائر الدينية، ويحفزن المتعلمات على حفظ بعض السور والأدعية.

“لولا الدروس الدينية لما تعلمت طريقة الصلاة، لأنني لم ألج المدرسة قط”، تقول عائشة ذات لحظة بصوت خافت، وهي إحدى المستفيدات من الدروس. وتضيف المرأة الستينية، التي تتحدث وهي تجيل ببصرها في السماء الملبدة بالغيوم، “تدرسنا المرشدة مختلف الأمور المتعلقة بالإسلام، بما في ذلك الأركان الأساسية والعبادات والفرائض، كما تنصحنا بألا نسمع فتاوى الأشخاص خارج إطار المسجد”.

“وصفات صامتة” لمحاربة التطرف

شابات يقدمن الدروس اليومية المعتادة، باستعمال الدارجة حتى يصل المعنى كاملا للمتعلمات، أبين إلا أن يخضن تجربة الوعظ، لتلقين نساء الهامش بعض المعارف الدينية باستعمال طرق تقليدية ارتبطت تاريخيا بالمساجد، التي تلقى رواجا كبيرا في رمضان على وجه الخصوص.

ويعتبر تمثيل المرأة في مجال الوعظ والإرشاد، ردا صريحا على الدعوات التي تربط الإسلام بالعقلية الذكورية فقط، ويأتي ذلك في سياق تجربة الإصلاح الديني، التي وضعت برنامجا خاصا يهدف إلى إعادة هيكلة مديريات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية المحلية.

وتنحصر مهام المرشدات الدينيات في حدود تبليغ وتعليم أحكام الدين، ولا يمكن أن يتجرأن على الإفتاء، وهي الوظيفة التي تقوم بها المؤسسات العلمية المختصة، إذ فتحت المجالس العلمية أبوابها في وجه المواطنين لمساعدتهم على حل مشاكلهم طيلة أيام الأسبوع، عبر تخصيص فقهاء وعلماء يقدمون الأحكام الشرعية، كما يجتهدون في المسائل الخلافية التي تستدعي الإفتاء.
ونجحت المرشدات في النفاذ إلى قلوب النساء المتعلمات، لأنهن استطعن الاستجابة للحاجيات الدينية التي تخص المجتمع المغربي، في ظل الثورة المعلوماتية التي قلبت العالم رأسا على عقب، ما جعلهن أسلحة ناجعة لمحاربة التشدد وسط النساء، لكن في حدود الالتزام بثوابت المملكة والانصياع للقانون والدفاع عن إمارة المؤمنين التي توحد المغاربة.

الأوقاف … خلية لا تنام

مع بروز التحديات الدينية الجديدة، الممثلة أساسا في الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تستقطب الشباب، أطلق مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني بالمملكة في 2002، والذي اهتم بإصلاح التعليم العتيق، الأمر الذي أعطى للدروس التي تقدمها المرشدات الدينيات ملامح نوعية.

وأعلن عن أول تجربة للواعظات الدينيات منذ 2005، سنة تخرج أول فوج، إذ يأتي هذا البرنامج الخاص بالمرشدات في سياق تغيير بعض المناهج الدراسية وإصلاحها، سيما المتعلقة بالتأطير بالديني، إذ وصل عدد المرشدات والواعظات إلى نحو 200 آنذاك، ولتحقيق نجاعة أكبر في التكوين الديني تأسس معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في 2015، بهدف تلقين الأجيال الجديدة من الشباب المغاربة والأجانب قيم الإسلام الوسطي.

وتناط بالمعهد مهام تمكين الأئمة من المناهج والمعارف التي تؤهلهم للقيام بالمهام الموكولة إليهم، وتأهيل تكوين القيمين الدينيين الأجانب، فضلا عن تنظيم دورات للتكوين المستمر وتداريب دورية، ثم القيام بأبحاث رامية إلى تطوير أدائهم. وحسب المعطيات المنشورة في الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فإن الطلبة يتلقون تكوينا مهنيا فريدا يجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، بما في ذلك اللغات والآداب العصرية والفنون، حتى يلائم التكوين التحولات الاجتماعية التي تشهدها المنطقة.

مصطفى شاكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق