حوادث

مفهوم الحكامة الأمنية حل أمثل لاختراق الأجهزة

رشيد الموساوي
الموساوي الباحث والمحامي قال إن مافيات المخدرات والتهريب تورط بعض العناصر في إفساد الإدارة والأمن

يرى الأستاذ رشيد الموساوي، الباحث في الشؤون القانونية والمحامي بهيأة الرباط، أن الدستور الجديد لفاتح يوليوز 2011 نص في المادة 54 منه على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة، لذلك لم يعد مقبولا ترك بعض رجالات الأمن والدرك والقوات المساعدة والمسلحة ضحية لمافيات التهريب الدولي للمخدرات والأسلحة والبشر والبضائع،

وتوريطهم في جرائم إفساد الإدارة والأمن بواسطة شراء الذمم بمحاولة البقاء بعيدا، وإشاعة الجريمة ونشر سموم المخدرات في مختلف مكونات المجتمع الفئوية، بالإضافة إلى تورطهم أحيانا
مع عصابات الإرهاب الدولي من أجل توفير الأموال الطائلة التي تدرها الجريمة العابرة للحدود وتمويل خلايا الإرهاب.

يؤكد الأستاذ الموساوي، في تصريح خص به «الصباح»، أن المتتبعين «يجدون أن شبكات التهريب الدولي للمخدرات وخلايا الترويج لها داخل المغرب تتقوى وتتعزز عن طريق اقتحام أجهزة الأمن والدرك من خلال جلب بعض عناصرها وتمكينهم من رشاو مهمة للبقاء بعيدا عن أعين الدولة وعن مساطر المتابعة الجنائية». وفي نظره، فإن المفهوم الجديد للحكامة الأمنية يفرض نفسه بإلحاح للقضاء على ظاهرة اختراق الأجهزة الأمنية من طرف بارونات المخدرات والإرهاب عن طريق الإرشاء والابتزاز واستغلال النفوذ من مواقع المسؤولية التشريعية، أو من خلال مواقع المسؤولية في تسيير المدن والبوادي بعدما تمكن بعض رموز التهريب الدولي والجريمة المنظمة من الولوج إلى المجالس المنتخبة عن طريق إرشاء الناخبين من الأوساط المهمشة. وبناء عليه، فإن هناك الكثير من الحلول المقترحة للحد من اختراق صفوف الأمن والدرك والأجهزة العاملة في مجال محاربة الجريمة.
أولا، يقول الموساوي، وضع إستراتيجية للحكامة الأمنية الجيدة وتوحيد صفوف الأمن والدرك وغيره من خلال المجلس الأعلى للأمن الذي يضم كل إدارات الأمن الثلاث، بالإضافة إلى إدارة الدفاع والدرك الملكي والقوات المساعدة والمؤسسات الحكومية ذات الصلة، وذلك لبلورة خطة محكمة تقف سدا منيعا في مواجهة كل أشكال الجريمة، سواء المخدرات أو تلك التي لها علاقة بالتهريب الدولي وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، حتى لا يتم اقتحام صفوف هذه الأجهزة من طرف المجرمين وشبكاتهم الإجرامية مثل ما وقع في قضية أمغالا والمعروضة حاليا على محاكم الإرهاب في ملحقة سلا الاستئنافية أو في قضايا التهريب الدولي للكوكايين، مثل ما سمي خلال أواخر القرن الماضي بقضية الديب ومن معه بطنجة وقضية اليخلوفي ومن معه بمحكمة سلا، أو ما سمي بقضية «الجبلية» ومن معها بالرباط، أو مثل الملف المعروض حاليا على محاكم الرباط في ما يتعلق بقضية «ولد الهيبولية» ومن معه، وهي القضايا التي تورط فيها بعض رجالات الأمن والدرك والقوات المساعدة والمسلحة في التستر على هذه الجرائم مقابل مبالغ خيالية تلقوها رشاوي انتهت باعتقالهم وإدانتهم بالسجن النافذ في غالب الأحيان، سواء من طرف المحاكم المذكورة أعلاه أو من طرف المحكمة العسكرية بالرباط بالنسبة إلى رجالات الدرك والقوات المسلحة والمساعدة، علما أن بعض رجالات الأمن والدرك تمت تبرئتهم في آخر المطاف. ويضيف أن بعض عناصر المافيا ينتقمون أحيانا عدوانا من طرف بعض رجالات الأمن والدرك وغيرهم، ويقحمون في المتابعات الكيدية لأنهم رفضوا الاستسلام للرشاو والعلاوات الممنوحة لهم. لذلك يجرون ظلما أمام المحاكم لتصفية الحسابات، ولذلك وجب على المحققين القضائيين الانتباه إلى مثل هذه الثغرات والتي يذهب ضحيتها أحيانا بعض رجال الأمن والدرك وغيرهم من الموظفين.
الحل الثاني، في نظر الأستاذ الموساوي، يكمن في الاهتمام بالوضعية المالية والاجتماعية والأسرية لرجال الأمن والدرك والقوات المساعدة وترقيتهم باستمرار وانتظام وتحسين أوضاعهم المادية وتمكينهم من تعويضات محفزة على أعمالهم الإضافية، وعلى الأعمال التي يتم فيها اكتشاف خلايا جديدة تنشط في ميدان الجريمة بكل أشكالها مع إعطاء العناية اللازمة لسكناهم ولأبنائهم وأسرهم.
أما الحل الثالث، فيتجلى في وضع أجهزة خاصة لمحاربة المخدرات والتهريب الدولي للبضائع والبشر وكل الجرائم الخطيرة، وأن تكون هذه الأخيرة تحت مراقبة المجلس الأعلى للأمن في كل تحركاتها وأعمالها. أيضا تعزيز الكفاءات المهنية والقدرات الخارقة الموجودة داخل الإدارات الثلاث للأمن الوطني وتخويل الطاقات النزيهة والنظيفة الموجودة بداخلها الضوء الأخضر لتعزيز الحكامة الجيدة وتقوية المحفزات والتعويضات وإعطائها كل حرية في اتخاذ مبادرات شجاعة بكل استقلالية واحترافية للحد من الجريمة ومن اختراق المافيات لصفوف بعض رجالها ونسائها. ويرى الباحث أهمية أن تخصص الدولة والحكومة ميزانية مستقلة للمجلس الأعلى للأمن حتى يتمكن من تحسين أوضاع وظروف عمل رجال الأمن والدرك وغيرهم من الأجهزة التي تعمل في ميدان محاربة الجريمة بكل أشكالها والحفاظ على استقرار وأمن الدولة والمجتمع، مع جعل العقوبات مشددة في حق المتورطين في قضايا هذا النوع من الجرائم عندما تكون لهم مسؤوليات حساسة داخل أجهزة الدولة. وقد كشفت قضايا تورط بعض موظفي الأمن والدرك وغيرهم إلى جانب بارونات المخدرات والتهريب الدولي عن حقائق خطيرة، منها أن بعض المتورطين من رجال الأمن عمدوا إلى مسح اسم أحد بارونات المخدرات من الحاسوب المركزي للإدارة العامة للأمن الوطني بخصوص صدور مذكرة بحث وطنية ودولية ضده حتى يتمكن هذا المجرم من الإفلات من الاعتقال من طرف شرطة الحدود وحواجز الأمن وإدارة الجمارك. كما تورط بعض موظفي الأمن في تسليم شهادات السوابق القضائية مزورة لبعض المجرمين تحمل ملاحظة «لا شيء» رغم صدور عدة أحكام سجنية وحبسية سابقة ضدهم، وذلك لمساعدتهم على القيام بجرائم أخرى والولوج إلى بعض الخدمات التي تحرم على أصحاب السوابق، وعدم التحقق من هوية المخالفين لقانون السير وعدم تفتيش سياراتهم والتي تكون في الغالب محملة بأطنان من المخدرات مقابل رشاوى تسلم لبعض رجالات الدرك والأمن لعدم القيام بواجبهم في ممرات التفتيش.
وكشفت بعض هذه الأبحاث، حسب ما يسرده الأستاذ الموساوي، وجود أسماء وأرقام هواتف بعض موظفي الأمن والدرك والقوات المساعدة مكتوبة في بعض دفاتير المجرمين في شبكات التهريب والمخدرات أثناء تفتيشهم من طرف الضابطة القضائية ومكتوب بها أيضا المبالغ التي يسلمها هذا المجرم شهريا لهؤلاء الموظفين المتورطين معه.
ويقول المتحدث إنه يجب تعزيز التعاون الدولي بين المجلس الأعلى للأمن والمؤسسات الدولية العاملة في مجال مكافحة الجريمة والفساد وتبييض الأموال مع وضع استراتيجيات محكمة لعدم اختراق مافيات الجريمة لأجهزة الأمن والدرك والدولة، وتقوية الإمكانات البشرية والمادية والمعنوية لإدارات وموظفي الأمن للدرك والجمارك وغيرهم وتمكينهم من كل الوسائل الحديثة والتكنولوجيات والتقنيات لمقاومة تفشي الجريمة المنظمة. كما أن من المهم كثيرا التعاون بين مجلس الأمن والمجلس الأعلى للسلطة القضائية خدمة للحكامة الأمنية وترسيخ دولة الحق والقانون وجعل الأمن والقضاء في خدمة المواطن، وإرجاع الثقة لمؤسسات الدولة واحترام هيبتها وهيبة المجتمع وهبة المواطن في آن واحد. كل ذلك، يقول المحامي، سيجعل أمننا وقضاؤنا بعيدا كل البعد عن كل اختراق من طرف مافيات وشبكات الجريمة المنظمة وعصابات المخدرات والتهريب وغيرها وسيمكن بلدنا من استقرار دائم واقتصاد وطني متحكم فيه غير خاضع للسوق السوداء وللتهريب والتملص من كل واجبات الدولة.

أجرى الحوار: محمد البودالي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق