بانوراما

الريش… قبطان مع وقف التنفيذ

تسلط شهادة القبطان السابق عبد الرحمان الريش الضوء على حقبة مهمة في تاريخ المؤسسة العسكرية المغربية، بحكم أنه كان ضمن أول فوج للضباط المغاربة الذين تخرجوا بعد الاستقلال، والذي ضم الجنرالات حسني بنسليمان وبوشعيب عروب والراحل عبد العزيز بناني. وتقف هذه الشهادة على مسار المؤسسة العسكرية بعد الاستقلال، وأهم الأحداث التي شاركت فيها، وأبرزها حرب الرمال، وحرب الصحراء ضد “بوليساريو”. في الوقت الذي تسلق فيه رفاق الريش المناصب إلى أن صاروا من أهم قادة الجيش، غادر المؤسسة العسكرية من الباب الخلفي برتبة قبطان، “لأسباب مجهولة”، حسب قوله.

الحلقة الرابعة

خلاف مع جيش التحرير
كانوا يعتبروننا ״ولاد فرنسا״ وناقصي خبرة
بعد تخرجنا ضباطا بالجيش المغربي والتحاقنا بفرقنا العسكرية، صادفنا مشاكل في مهامنا مع أفراد جيش التحرير، الذين التحقوا بصفوف القوات المسلحة. كانوا ينظرون إلينا على أننا “ولاد فرنسا”، وناقصي الخبرة ولا يحق لنا أن نكون مسؤولين عنهم، في حين كنا نعتبرهم عديمى الخبرة والكفاءة. وخلق هذان الموقفان خلافا بيننا وبينهم سرعان ما تم احتواؤه، لكن هذا الخلاف سيتم تذويبه مع مرور الأيام، وتحل الثقة بيننا، إلى درجة حد الانسجام، إذ اقتنع رجال جيش التحرير أننا وطنيون لدرجة لا تتصور.
ما زالـت أتذكر العديد من قادتهم، كانوا برتبة “كومندار”، من قبيل المكناسي وإدريس الحارثي. كانت لنا مسؤولية واحدة وهي الدفاع عن الوطن، وبهذا الأمر تجاوزنا تلك الخلافات وصرنا كما يقال “سمنا على عسل”.
شكلت مواقفهم إحراجا كبيرا لنا، إذ رغم وطنيتنا ومغربيتنا، وجدنا أنفسنا متهمين فيها، بسبب أننا خضنا تداريب عسكرية بفرنسا، فكما تعلم، بعد الاستقلال، انقسم المغرب إلى اتجاهين متناقضين، الأول محسوب على فرنسا، ويريد الحفاظ على مصالحه مهما كان الثمن، والثاني تتزعمه الحركة الوطنية، والتي ترى نفسها الوحيدة التي تمثل المغاربة ومن قدمت تضحيات جساما من أجل استقلال المغرب وبالتالي لها الشرعية لقيادته في الحقبة الجديدة.
كان من نتائج هذا الخلاف، انتشار ظاهرة التخوين، إذ كان أفراد الحركة الوطنية يتهمون الفرنكوفونيين بأنهم أتباع الاستعمار، ووجودهم يؤكد عدم الاستقلال التام بالمغرب، وأنهم خونة وعملاء الاستعمار، في حين يتهمهم الاتجاه الثاني أنهم يريدون إسقاط النظام الملكي وفرض نظام الحزب الواحد بالمغرب.
بطبيعة الحال، وجدنا نحن الضباط المتخرجين أنفسنا بين ناري هذين التيارين، إذ رفضنا من قبل عناصر الحركة الوطنية وجيش التجرير، واعتبرونا من أزلام الاستعمار الفرنسي، بل منهم من دخل معنا في صراع، قبل أن يتراجعوا عن موقفهم.
تبين في ما بعد أن سبب هذا الخلاف، هو السيطرة على قيادة الجيش المغربي بعد تأسيسه من قبل الراحل محمد الخامس، إذ اعتبرنا في نظر قيادة جيش التحرير منافسا حقيقيا لهم، بحكم تكويننا الأكاديمي بطرق حديثة، في حين حاربوا الاستعمار بالفطرة، وهو ما تبين في ما بعد، إذ رغم حصول عدد منهم على رتب عسكرية كبيرة من قبيل “عقيد” أو “كومندار”، إلا أننا نجحنا في فرض وجودنا على الحياة العسكرية رغم وجود قيادات عسكرية وازنة تدربت في فرنسا، من قبيل الجنرال أوفقير وحمو وحبيبي وغيرهم ممن دفعوا ثمن مشاركتهم في الأحداث الانقلابية في 1971 و1972.
مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق