الأولى

حديث الصباح: هل باتت تونس على أبواب العنف السياسي؟

التيار الديني المتشدد حاول فرض تصوره على المجتمع مستغلا مساحة الحرية التي أتاحتها ثورة الياسمين

المقصود بالعنف السياسي كل سلوك يخرج عن القانون، ويريد التأثير في العملية السياسية من خلال استعمال القوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والممتلكات، وذلك لتحقيق أهداف سياسية أو التأثير في سياسة الحكومة والأطراف المرتبطة بها أو التي هي في نظر المعتدين جزء من النظام السياسي. من هنا، فالعنف السياسي يغلب عليه الطابع الجماعي، وإن قام به فرد واحد، فهو ممثل لجماعة ومعبر عن توجهاتها، ثم هو عنف له خلفية عقائدية أو إيديولوجية أو سياسية يصدر عنها في شرعنة أعماله العدوانية، فهل ما تعيشه تونس يؤشر على العنف السياسي؟  
إن الأحداث التي عرفتها تونس في الأيام الأخيرة وما زالت تعرف بعضه، تطرح السؤال المركزي على كل القوى السياسية التونسية: إلى أين تسير تونس ما بعد سقوط نظام بنعلي؟ لا شك أن التونسيين لما قرروا الثورة ضد النظام السياسي لبنعلي، إنما هبوا لإسقاط الاستبداد والقهر، طلبا للحرية والكرامة والمساواة. وما أن سقط النظام حتى طفا على السطح السياسي التيار الديني المتشدد، مستغلا مساحة الحرية التي أتاحتها ثورة الياسمين، وحاول فرض تصوره على المجتمع التونسي، بدءا من السيطرة على جامعة منوبة وتعطيل الدراسة بها لأزيد من شهر، وانتهاء بإنزال العلم التونسي من على إدارة الجامعة وتمزيقه، وهو بهذا الفعل اللامسؤول يمس بسيادة تونس ورمز وحدتها وتضحيات شهدائها من أجل التحرر من نير الاستعمار الفرنسي. فالراية الوطنية، كما جاء في كلمة الرئيس التونسي، منصف المرزوقي «ترمز إلى نضالات مريرة خاضها أبناء الشعب التونسي بداية من شهداء 9 أبريل ومعركة برقو وبنزرت إلى شهداء الثورة في تالة والقصرين والرقاب ودوز وسيدي بوزيد وغيرها من المدن التونسية.
وكانت الراية أساسية في احتجاجات وإضرابات الاتحاد العام التونسي للشغل وطلبة الزيتونة والحركات النسائية الحقوقية…
ويأتي المتطرفون، بعد كل هذه التضحيات التي قدمها شعب تونس وشبابه، ليحاولوا الانحراف بالثورة، وجر البلاد إلى مهاوي الفتن والاحتراب، وجعلها إمارة موالية لتنظيم القاعدة، وهذا ما أراده شيخ المتطرفين التكفيريين، أبو عياض التونسي لما أقر بموالاته لتنظيم القاعدة في حوار نشرته الشروق الجزائرية، أجاب فيه على سؤال حول علاقته بتنظيم القاعدة، حيث أجاب قائلا «لا نخشى في الله لومة لائم، نسأل المولى لهم التوفيق، ونبارك أعمالهم في الدفاع عن الإسلام والمسلمين، ومقارعة الغرب في محاولته تركيع الأمة، ولقد خرجنا في العلن، وصلينا صلاة الغائب يوم مقتل أسامة بن لادن»، هذا هو رمز التكفيريين أبو عياض التونسي الذي يتنقل بين مساجد تونس يحرض على الجهاد، وينشر ثقافة الكراهية وفقه الغلو والتطرف، وهو الذي كان مطلوبا من طرف حكومات بريطانيا وتركيا  والعراق وتونس حتى ألقي عليه القبض في تركيا، وسلم إلى السلطات التونسية التي حكمت عليه بـ43 سنة قضى منها ثماني سنوات، وتم إطلاقه في مارس 2011 في ظل ثورة الياسمين.
هذا من حيث الولاء والعقائد الفاسدة، أما من حيث الارتباط بالقاعدة، فقد تجرأ أتباع الزعيم التكفيري على إنزال العلم التونسي، ووضع علم القاعدة محله، وهي خطوة سافرة لم تجرؤ عليها التنظيمات التونسية من قبل، لأن العلم التونسي، كما قال الرئيس المرزوقي (هو القاسم المشترك بين كل التونسيين، من أقصى الطيف إلى أقصى الطيف)، وأنه «لا يوجد علم آخر يعلو فوق هذا العلم».

وقد أثار الهجوم الذي شنه التكفيريون على جامعة منوبة نقاشا واسعا بين كل فئات المجتمع التونسي، خاصة الطبقة السياسية والمثقفة التي استشعرت الخطر، ليس فقط على الحريات العامة والفردية، بل كذلك على وحدة المجتمع واستقراره. وهذا ما جعل الرئيس المرزوقي  ينتفض بشدة ويعلن “لن يحدد المتطرفون مستقبلنا”، ومن ثمة “لن يُسمح لأي أحد أن ينصب نفسه كناطق رسمي باسم الدين.. أو يفرض آراءه بالعنف.. أو يعمل على تحقير أو تكفير فرد آخر”، لكن هذه التنديدات والتهديدات لن يكون لها أي أثر طالما ظلت العناصر التي روعت الطلبة والأستاذة على مدى شهرين طليقة ولم  تطلها يد العدالة، بل إن التساهل مع زعيم التكفيريين، والسماح له بالخطابة في المساجد لينشر ضلالاته التكفيرية لن يزيد أتباعه إلا تطرفا وعنفا. ولعل اغتيال رجل الدين، الشيخ لطفي القلال، البالغ من العمر 53 سنة، فجر يوم الأحد 11 مارس الجاري، عندما كان متجها لأداء صلاة الفجر في حي “مون بليزير” بالعاصمة تونس، رسالة تحمل أكثر من دلالة، خصوصا أن مقربين من الشيخ القلال نقلوا عنه انتقاده الحاد لتيار السلفية الجهادية، فالحادث لم يأت عرضا، بل كان مدبرا في ليل.
وأفادت مصادر إعلامية تونسية أن “القلال دهسته سيارة، ثم نزل منها مجموعة من الأشخاص وجهوا إليه أربع طعنات بسكين في القلب، فأردوه قتيلا”. وما يزيد تغول التيار التكفيري  تساهل الحكومة بقيادة حزب النهضة مع عناصره التي روعت المواطنين ومزقت العلم الوطني؛ الأمر الذي فسره معظم الفاعلين السياسيين بأنه تواطؤ بين حزب النهضة والتيار الجهادي، بل شجع هذا التيار على اقتراف أفعال أخرى تدل على اتساع دائرة نفوذه داخل المساجد، ومنها  طرده، في سابقة خطيرة، الإمام الشيخ عبد الفتاح مورو من مسجد القلعة الكبيرة، حينما كان يتجه للصلاة.
وحسب أخبار متداولة، فإن الشيخ مورو اتُّهم بالكفر لا لشيء إلا لمواقفه الأخيرة، والتي تنتصر للإسلام المتسامح المعتدل، فضلا عن منع المتشددين لعشرات من الأئمة والخطباء من اعتلاء المنابر في محاولة لفرض سيطرتهم على الحقل الديني، ما اضطر وزارة الشؤون الدينية إلى توجيه مذكرة تنص على أن الوزارة هي الجهة الوحيدة التي تعين الأئمة. والتونسيون اليوم يستحضرون ما سبق أن قاله الصحافي ومقدم البرامج مكي هلال بتلفزيون “بي بي سي” عن اعتداء المتشددين على الصحافيين والمثقفين أمام المحكمة التي كانت تنظر في قضية قناة “نسمة”، إذ وصف اعتداء المتشددين  بأنه “مُخل ومُخيف”. وقال محذرا جميع التونسيين “انتبهوا أيها التونسيون اليوم نستحضر ما حدث من سنوات خلت لزملاء في الجزائر القريبة، حينما بدأت سطوة الجهل المقدس تسيطر، نستحضر أسماء مثل إسماعيل يفصح وزملاء أعزاء استهدفهم جهل الغوغاء وشعارات مغرية للقادمين من جبال تورا بورا بحكاية الدفاع عن الدين وأهله، في النهاية خسرت الدولة وأهلها وكل المجتمع وسائر أطياف الجزائر… فالحيطة كل الحيطة والحذر يا أهل تونس، لتميزوا من الديمقراطيين الحقيقيين ومن يريدون فعلا إنجاح مسار الثورة”.
أما الحدث الأخطر الذي سيزيد المجتمع احتقانا، فتمثل في قيام مجهولين يوم الخميس 15 مارس الجاري بتدنيس المصحف الشريف بعدد من مساجد مدينة بن قردان بمحافظة مدنين الواقعة على الحدود مع ليبيا، حيث عثر مصلون على مصحفين ملقيين بدورة مياه في مسجدين وعلى نسخة أخرى ممزقة في جامع ثالث.
وبسبب هذه الواقعة الشنيعة، تظاهر آلاف من سكان المدينة من مختلف الحساسيات السياسية استجابة للدعوة التي وجهها الأئمة خلال صلاة الجمعة للتنديد بالفعلة.
ومن ناحية أخرى، ذكرت صحف إلكترونية تونسية أن مجهولين رسموا يوم الجمعة 16 مارس الجاري نجمة داود السداسية على جدار جامع الفتح في العاصمة تونس. وأمام هذا المنزلق الخطير الذي تسير فيه تونس، يتطلب الأمر من الحكومة أن تتعامل بحزم مع كل من يريد بالشعب التونسي الفتنة والاحتراب الداخلي. فتونس ينبغي أن تظل وطنا للجميع رغم الاختلافات العقدية والإيديولوجية، ذلك أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها تونس تتطلب من جميع الأطراف تكثيف الجهود والبحث عن حلول عملية تخفف عن المواطنين مشاكلهم اليومية، وتعيد إلى الاقتصاد المنهار عافيته.

بقلم : سعيد الكحل, أستاذ باحث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق