بانوراما

كاريان طوما … أشهر كاريانات سيدي مومن

الكاريانات … ذاكرة تقاوم المحو 9

لا تجتث معاول الهدم، التي تنشط، هذه الأيام، بعدد من الكاريانات ودواوير الصفيح بالمغرب “آخر براكة” تحقيقا لمشروع “مدن دون صفيح”، بل تشطب على جزء أساسي من تاريخ المغرب الحديث وذاكرة جماعية طافحة بالأحداث والأسماء والصور والشهادات، يجتهد بعض الباحثين والأساتذة الجامعيين في الحفاظ عليه بصعوبة كبيرة.

يرجع أصل تسمية سيدي مومن إلى الولي الصالح سيدي مومن، الذي قدم إلى المنطقة من المشرق الإسلامي بعد ما تلقى فيه من العلوم الدينية والشرعية ما أهله لأن يصبح قبلة للباحثين في أمور الدين وداعيا إلى التوحيد والإيمان بعيدا عن كل العادات والتقاليد التي تتنافى والقيم الإسلامية.

كان الرجل شجاعا، ومن بركاته أنه كان لا يخشى سم الأفاعي والعقارب لدرجة أنه كان يقلد دائما عنقه بثعبان فسمي سيدي مومن “مول الحنش”. وبقي على هذا الحال إلى أن توفي ودفن بالمنطقة ومازال ضريحه لحد الآن بالمقبرة الإسلامية سيدي مومن.

وعرفت منطقة سيدي مومن منذ نشأتها تطورا ملموسا على المستوى العمراني والإداري جعل منها حوضا من أهم الأحواض التنموية على الصعيد المحلي والإقليمي و الوطني.
تميز تاريخ إعمار منطقة سيدي مومن بمرحلتين أساسيتين، هما:

-فترة الخمسينات وما قبل: إذ استقرت بها قبائل استغلت في القطاع الفلاحي، نظرا للطابع القروي الذي كان يميز المنطقة، إضافة لوجود بعض المعمرين الذين كانوا يملكون ويديرون العديد من الضيعات التي مازالت إلى الآن بعض من معالمها.

ومن بين أهم القبائل التي نزحت إلى المنطقة، قبائل مديونة والهراويين التي شكلت جزءا هاما من أحيائها الصفيحية، إلى جانب نزوح العديد من القبائل القريبة من البيضاء إليها بحثا عن فرص للشغل، فتكونت بذلك أحزمة صفيحية على رأسها دواوير أهل الغلام وامزاب والرحامنة وطوما وزرابة ودوار أولاد الغالية وغيرها من الجيوب الصفيحية بسيدي مومن القديم، ما أسهم في انتشار مدن الصفيح وتفاقم البناء العشوائي وانتشار أحياء سكنية غير منظمة.

– فترة ما بعد الخمسينات: إذ شكل استرجاع الأراضي الفلاحية مجالا لتناسل الأحياء القصديرية، وانتشارها في جل ربوع المنطقة إلى جانب إحداث المشروع الاجتماعي سيدي مومن الجديد بترابها لإيواء سكان كاريان الحي المحمدي، فكان ذلك بمثابة نقطة تغيير دفعت بالمجالس التي تعاقبت على إدارتها لتقرر العديد من البرامج، والمخططات الإصلاحية نتج عنها ظهور وحدات صناعية مهمة ساهمت في التراجع عن التعاطي للأعمال الفلاحية،و تعويضها بالعمل في تلك الوحدات.

ومن أشهر كاريانات سيدي مومن الذي وصل صيته العالم لارتباطه بأحداث 16 ماي الإرهابية، “طوما” الذي سمي على معمر فرنسي اسمه طوماس، حل بالمنطقة من أجل مقلع حجارة، وكان أصدقاؤه ينادونه بـ”طوما”.

ولتقريب العمال من المقلع حرص الفرنسي طوماس على أن يسمح لعماله، المتحدرين من مختلف المناطق المحيطة بالبيضاء والذين جاؤوا إليه بحثا عن لقمة العيش، بجلب أسرهم والاستقرار في المكان، عوض التنقل صباح مساء.

وتلك كانت قصة اللبنة الأولى لأول البيوت القصديرية التي تؤثث كاريان “طوما”، إذ كان الأمر مقتصرا في البداية، يقول أحد سكان الدوار، في روايته لقصة كاريان “طوما” كما رويت عليه في طفولته، على العمال، قبل أن يجلبوا زوجاتهم وأطفالهم.

وقبل أن يرحل المستعمر من المنطقة كان الدوار قد أخذ في التوسع، قبل أن يصبح قائم الذات حتى بعد رحيل المستعمر، ليشكل، إضافة إلى أحياء قصديرية أخرى، واحدا من أشهر أحزمة البؤس في العاصمة الاقتصادية.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق