بانوراما

ناج من حبل المشنقة … إعدام “الكوميسير” ثابت

بعد صدور حكم الإعدام، يصبح شبح حبل المشنقة يترصد أعناق المدانين، ويغدو صوت المفاتيح كابوسا مرعبا، تحبس معه أنفاس “منتظري الموت”، الذين أصبحوا تحت رحمة الجلاد.

في هذه السلسلة، تقربكم “الصباح” من الحياة داخل حي الإعدام بسجن القنيطرة، من خلال تجربة المعتقل السياسي السابق أحمد الحو، المحكوم بالإعدام سنة 1984 ضمن مجموعة “71”، والذي قضى 10 سنوات داخل حي الإعدام، ويروي لنا تفاصيل من اعتقاله وتعذيبه داخل معتقل درب مولاي الشريف، والحكم عليه بالمشنقة، ومن ملامح حياة حي الإعدام، وصولا إلى الإفراج عنه، الذي كان ولادة أخرى.

عصام الناصيري

الحلقة الأخيرة … إعدام “الكوميسير” ثابت

حل يوم المحاكمة، وصدر في حقي الحكم بالإعدام. لم أستوعب الأمر في البداية. كنت مصدوما، واعتقدت أن ما يقع مجرد حلم وسينتهي، إذ كيف لشاب في بداية مساره، أن يعتقل ويعذب ويحكم بالإعدام، فقط لأنه عبر عن رأي سياسي. ولم نكن وحدنا من صدم بالأحكام، بل كانت صدمة الأقارب ومعارفنا أكبر، إذ كانوا يعتقدون أننا سنحصل على البراءة.

أرسلونا بعد ذلك إلى حي الإعدام بالقنيطرة، وبدأت حياة جديدة هناك، وتعرضنا لجميع أنواع الإهانة، التي يمكن أن يتخيلها الشخص، إذ بمجرد وصولنا إلى حي الإعدام، جردوني من ملابسي، وأهنت كثيرا، إذ كانوا يستفزوننا بلمس بعض المناطق الحميمية في أجسادنا، وكنا نمشي وسط كم هائل من الحراس، وكانوا يركلوننا ويدفعوننا ويقولون لنا كلاما جارحا. من كثرة تلك المشاهد تعتقد أنك مجرم خطير، وكانوا يلبسوننا بعض الثياب الرثة، وكانت رؤوسنا تسيل بالدماء، من شدة العنف الذي يعاملوننا به خلال الحلاقة.

كنت أعيش معاناة نفسية كبيرة، إذ بمجرد سماع صوت فتح باب الزنزانة، يخال إلي أنهم قادمون من أجل إعدامي، لكن المخاوف والضغوط تتزايد مع كل حادث جديد، لكن اللحظة التي شعرت بها بخوف كبير، هو حينما أعدم “الكوميسير” الحاج ثابت سنة 1993، إذ كنت قريبا من زنزانته، ورغم أنه كان متهما بالاعتداء الجنسي والاغتصاب وغيرها، إلا أنه كان شخصا في منتهى الطيبة. حينما أعدم شعرنا بخوف شديد.

لكن حتى أكون منصفا، فقبل الإفراج عني، كانت الأوضاع قد تغيرت، وكنا نعيش حياة هادئة في السجن. كان الجميع يعاملنا باحترام. لم يكن هناك تعذيب كما هو الحال في البداية، إذ بدؤوا يسمحون لنا بالخروج من السجن بين الفينة والأخرى.

ولادة جديدة

من اللحظات التي لن أنساها أبدا في هذه التجربة، هو أنه في يوم سمح لي أحد الحراس بمغادرة السجن، وتوجهت نحو البحر، لأني أعشقه منذ صغري، وحينما غصت في الماء، شعرت بطعم الحرية الذي فقدته لسنوات. كانت تلك اللحظة من بين أهم المحطات في حياتي.
استفدت من العفو بعد ذلك، وعانقت الحرية، غير أنه، في المقابل، واجهت عددا من المصاعب والمشكلات، إذ وجدت الحياة مختلفة جدا عما تركتها عليه. توفي أشخاص أعرفهم، والذين تركتهم صغارا أصبحوا آباء ولهم أسر. أستطيع القول إني خرجت من السجن، وكانت ولادة جديدة، وأخذت من وقتي الكثير للتأقلم مع الأجواء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق