الصباح السياسي

تحالف الأغلبية مبني على الغموض

محمد الغالي قال إن المشهد الحزبي كرس التوافق رغم تباين التوجهات

شكك أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، بكلية الحقوق بمراكش، محمد الغالي، أن يفضي الاختلاف السياسي بين أقطاب الحكومة إلى تصدع، مشيرا إلى أن المشهد الحزبي كرس هذا النوع من التوافق والتعايش رغم تباين التوجهات الإيديولوجية، فـ»هذا لا يعني غياب المشترك الذي يمكن أن تشتغل عليه الأغلبية

 

الحكومية المشكلة وتنسق جهودها حوله». واعتبر الغالي أن المعارضة الحالية نتيجة فرز لواقع سياسي له قيمته المضافة، مشيرا
إلى أن هناك معطى قد يلعب لصالح الأحزاب المشكلة للأغلبية في بناء مشروعية صلبة، بالنظر إلى أن «الأحزاب المشكلة للمعارضة الحالية كانت تستعد لتكون أغلبية أكثر من أي شيء آخر».
وقال الغالي إن ترجمة الاختصاصات على مستوى أرض الواقع، وبالتالي فرض الحكومة لمكانتها، يرتبط أشد الارتباط بطبيعة الشخصيات المشكلة للحكومة، وقدرة هؤلاء
على ممارسة صلاحياتهم بكل جرأة ومسؤولية بناء على مبدأ توزيع الاختصاص. في ما يل نص الحوار:

كيف تنظرون إلى مصير التحالف الذي يقود الحكومة المقبلة؟
أكيد، بالنظر إلى المرجعية الإيديولوجية للأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي، والتي تتمايز من إسلامية إلى يسارية إلى يمينية، يظهر أن هذا التحالف غير عاد ويبنى من الناحية المرجعية على أشياء غير واضحة، وهو ما قد يطرح سؤال الوضوح والتكامل في الرؤى والتصورات لبناء الأهداف التي سيتم الاشتغال عليها من خلال صياغة البرنامج الحكومي. ويجب الإشارة إلى أن التجربة الحكومية في المغرب، خصوصا بعد حكومة التناوب التوافقي لسنة 1998، تتميز من الناحية السياسية بعدم التكامل الإيديولوجي وأقصد حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي (1998) وإدريس جطو (2002) وعباس الفاسي (2007) التي عرفت كلها في تركيبتها مكونات سياسية من اليسار واليمين والوسط، لكن الجديد في الحكومة الحالية التي يترأسها عبد الإله بنكيران هو المكون الإسلامي المتمثل في حزب العدالة والتنمية، مما يعني أن المشهد السياسي المغربي كرس عرف التعايش والتوافق داخل التحالف الحكومي مهما تباينت التوجهات الايديولوجية.. لكن رغم التباعد الايديولوجي، فهذا لا يعني غياب المشترك الذي يمكن أن تشتغل عليه الأغلبية الحكومية المشكلة وتنسق جهودها حوله، خصوصا أن ثلاثة منها، وهي حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية وحزب الحركة، لها تقاليد حكومية في العمل المشترك، كما أن برامج كل الأحزاب المتحالفة ركزت على أولويات الشارع المغربي والمتمثلة في سياسة عمومية تقوم على الاقتصاد الاجتماعي التضامني، وعلى قيم العدالة والإنصاف والشفافية ومواجهة كل أشكال الفساد.
 

هل تشكل المعارضة بديلا عن التحالف الحكومي أم أنها نتاج فرز سياسي؟
أشير في هذا السياق في معرض سؤالكم إلى ملاحظة أساسية، وتكمن في أن العمل البرلماني المغربي منذ سنة 1963 لم يعرف تراكما، بالنظر إلى أن عمل المعارضة الذي تراكم منذ سنة 1963 حتى سنة 1997 كان عملا مركزا على انتقاد الأسس التي تقوم عليها السلطة من خلال اعتبار المدخل الدستوري كأساس لأي إصلاح، وليس على أساس مناهج الإدارة والتدبير أي أن المعارضة ركزت مجهودها على معارضة النظام القائم.
وفي هذا السياق، تركيبة المعارضة الحالية التي تضم خليطا من الأحزاب التي تحسب تقليديا على الإدارة أو أحزاب أخرى تعتبر نفسها بين منزلة التقليد والحداثة، بالإضافة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كحزب له مكانة جوهرية في الحياة السياسية المغربية، تجعل المتتبع يتساءل حول المنحى الذي ستأخذه المعارضة، هل سيتم الرجوع إلى إعادة نسج خيوط المعارضة التي سادت قبل سنة 1997؟ أم أن السلوك سيأخذ منحى الخطاب الذي سيحاول الوقوف عند جوانب الخلل في التدبير والإدارة؟ بحكم ما تراكم في هذا الاتجاه من خلال تجربة ثلاث ولايات حكومية أي حوالي أربع عشرة سنة من العمل الحكومي.
وبناء عليه يصعب القول من خلال هذه المعطيات إن واقع المعارضة الحالي يمكن أن يساعد على فرز واقع سياسي له قيمته المضافة، مادامت الأحزاب المشكلة للمعارضة الحالية من ناحية التحليل النفسي الجماعي كانت تعد العدة لتكون أغلبية أكثر من أي شيء آخر، وهذا المعطى قد يلعب لصالح الأحزاب المشكلة للأغلبية في بناء مشروعية صلبة، تربح بها رهان خطاب التشكيك الذي قد تلجأ إليه المعارضة.

في ظل الجدل الذي يثار أحيانا، بشأن التدبير الحكومي، هل يفيد في تكريس مكانة الحكومة وفرض شخصيتها كمؤسسة دستورية؟
بالنظر إلى المقتضيات التي جاء بها دستور 2011 بشكل شمولي ومقارنتها بمقتضيات دستور 1996، يتضح أن الهندسة الحكومية أصبحت أكثر بروزا وأكثر تموقعا في ما يتعلق بإدارة وتدبير شؤون الحياة العامة للمواطنين، لكن الهندسة الدستورية التي تؤطرها قانونيا النصوص، تبقى شرطا أساسيا لكنه غير كاف، فترجمة الاختصاصات على مستوى أرض الواقع، وبالتالي فرض الحكومة لمكانتها، يرتبط أشد الارتباط بطبيعة الشخصيات المشكلة للحكومة، وقدرة هؤلاء على ممارسة صلاحياتهم بكل جرأة ومسؤولية بناء على مبدأ توزيع الاختصاص، وليس مبدأ التعليمات الذي يقتل الحق في أخذ المبادرة بناء على قواعد المسؤولية التي تحددها قواعد اللعب بين مختلف الفاعلين الدستوريين.
أشير هنا، إلى أن الهندسة الحكومية تعني من الناحية الدستورية في جانبها التنظيمي تشكيل فريق حكومي منسجم يقوده رئيس حكومة سياسي يتمثل في الحزب الذي تصدر الانتخابات، شريطة حصوله بعد تعيينه من طرف الملك على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء المشكلين لمجلس النواب، وتعني الهندسة الحكومية، في مقاربة السياسات العمومية، تشكيل فريق حكومي فعال وناجح  قادر على أن ينفذ البرنامج الحكومي ويعمل على ضمان تنفيذ القوانين، ويمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات العمومية، كما أن رئيس الحكومة هو المسؤول عن ممارسة السلطة التنظيمية، أي المجال الذي يشمل كل جوانب حياة المواطنات والمواطنين التي لا تدخل في نطاق المقتضيات التشريعية التي يحددها الفصل 71 من الدستور.

هل تعتقدون أن تشكيل حكومة بنكيران بناء على نتائج الانتخابات، يفيد في حسم هذا الجدل؟
الحكومة الحالية التي يقودها عبد الاله بنكيران بصفته زعيما سياسيا لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، تشكل التجربة الثالثة في التناوب التوافقي الذي عرفته التجربة السياسية المغربية بعد التجربة الأولى التي قادها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998 بصفته زعيما سياسيا لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كحزب يساري، والتجربة الثانية قادها عباس الفاسي سنة 2007 بصفته زعيما سياسيا لحزب الاستقلال كحزب يميني، وعليه يظهر التناوب التوافقي في هذه السياقات آلية لإدارة وتدبير علاقات قوة سياسية تظهر غير متكافئة، لكنها غير محسومة لهذا الطرف أو ذاك بهدف الحفاظ على الاستقرار والتوازن السياسي، الضامن لسير عاد للمؤسسات الدستورية.

العمــل الحكــومي كـل لا يتـجــزأ

هل ينقص وجود أسماء من خارج الأحزاب في تحالف الحكومة من طبيعتها السياسية؟
العمل الحكومي كل لا يتجزأ، ويفترض أن يتصف بتصور شمولي حتى تكون هندسته متكاملة وتتسم بالوضوح على مستوى مختلف القطاعات التي تتعلق بشؤون المواطنات والمواطنين وقضاياهم، وبالتالي، فإن هذا التجزيء والتشطير للوزارات من وزارات عادية ووزارات ذات سيادة يخلق انطباعات سيئة تقود إلى خلق إحساس بالتمييز من داخل تحمل المسؤولية الوزارية، ما يخلق شروطا معاكسة لتحقيق عمل حكومي يتسم بالمنظور الشمولي والمعالجة الشاملة القادرة على الإحاطة بمختلف الجوانب التي تتعلق بإدارة السياسات العمومية داخل الدولة، مهما كان مستواها دينيا أو اقتصاديا أو ماليا أو اجتماعيا، وفي اعتقادي في السياق التاريخي الحالي الأجدر أن يكرس لممارسة وتقاليد حكومية تثمن الاعتبارات السياسية على الاعتبارات غير السياسية والمتمثلة في ظاهرة الشخصيات التقنوقراطية التي تبخس العمل السياسي وتجعله من دون معنى وتفقد الانتخابات محتواها السياسي، فمادامت ديباجة الدستور الحالي 2011 تؤكد على مبدأ ربط منح المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة، فإن هذا المبدأ لا يكون له جوهر حقيقي بالنسبة إلى العملين الحكومي والبرلماني، إلا إذا كان مؤسسا على المسؤولية السياسية للحكومة التي تتحمل نتائجها الأحزاب الممثلة للأغلبية في الحكومة، وبالتالي طرح الوزارات السيادية من خلال روح وجوهر دستور 2011 أصبح من دون معنى وينقص من قيمة الحكومة السياسية التي ثمنها وكرسها الفصل 47 من دستور 2011.

أجرى الحوار: إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق