بانوراما

ذاكرة الكاريانات: “السكويلة” … مدرسة عتيقة لليهود

الكاريانات … ذاكرة تقاوم المحو 5

لا تجثث معاول الهدم، التي تنشط، هذه الأيام، بعدد من الكاريانات ودواوير الصفيح بالمغرب “آخر براكة” تحقيقا لمشروع “مدن دون صفيح”، بل تشطب على جزء أساسي من تاريخ المغرب الحديث وذاكرة
جماعية طافحة بالأحداث والأسماء والصور والشهادات، يجتهد بعض الباحثين والأساتذة الجامعيين في الحفاظ عليه بصعوبة كبيرة.

يحمل كاريان السكويلة بمقاطعة سيدي مومن بالبيضاء اسم مدرسة يهودية كانت توجد بالمنطقة خلال الفترة الاستعمارية. ويرجع تاريخ نشأة هذا الدوار إلى 1930، حين كان عدد المعمرين الأوربيين، من جنسيات وديانات مختلفة، ينشئون مجمعات سكنية للعمال حول ضيعاتهم الفلاحية.

وتعني “السكويلة” باللغة الإسبانية مدرسة، وهي مدرسة خاصة بتعليم أبناء المعمرين اليهود. قبل أن تتحول إلى مقر لإحدى الشركات.

واحتضن دوار السكويلة الأفواج الأولى من المغاربة الهاربين من شضف الحياة بالعالم القروي خلال تلك الفترة من بداية القرن العشرين، كما فرض عليهم توالي سنوات الجفاف هجرة قصرية إلى المدن القريبة، وضمنها البيضاء التي اشتهرت بنهضتها الصناعية، وحاجة أرباب الشركات إلى يد عاملة.

انضمت الأسر المغربية الجديدة إلى أسر مغربية أخرى كانت تعيش جانب بعض الأسر الإسبانية التي كانت تنشط في مجال الفلاحة وتربية الأنعام والحيوانات مثل حيوان الخنزير. وكان أغلب المقيمين بهذا الدوار يشتغلون إما في مجال الفلاحة، أو بعض المصانع التي بدأت تظهر في المنطقة بالموازاة مع التوسع العمراني الذي عرفته البيضاء في هذه الفترة.

قبل التقطيع الإداري والترابي الجديد للبيضاء، أصبحت المنطقة التي يوجد بها دوار السكويلة تابعة إلى جماعة أهل الغلام الواقعة بدورها في النفوذ الترابي لمقاطعات سيدي البرنوصي، فيما كانت قبل ذلك تابعة لجماعة تيط مليل.

وتطورت تركيبة الدوار السكنية، التي كانت مشكلة في الغالب من بدو هاجروا قراهم نحو أفق عيش أرحب عرفت نموا متزايدا حتى بلغت في مطلع الستينات من القرن الماضي ألف نسمة، ليقفز بعد عقدين من الزمن إلى أكثر من ثلاثة آلاف أسرة، إذ أن اضطراب أحوال سكان العالم القروي، خاصة مع توالي سنوات الجفاف، دفع مزيدا من القرويين إلى شد الرحال صوب الدار البيضاء لينتهي بهم المطاف في دوار السكويلة. ويتحدر أغلب هؤلاء من مناطق الشاوية والرحامنة والشياظمة ودكالة وعبدة وغرباوة.

كما ساهمت الهجرة الداخلية (بين أحياء الدار البيضاء) في تزايد الكثافة السكانية بدوار السكويلة، ذلك أن أعدادا كبيرة من سكان أحياء مثل البرنوصي والحي المحمدي ومبروكة وبنمسيك وسيدي عثمان انتقلوا للاستقرار بالدوار.

وبدوره ساهم تكاثر سكان المنطقة في ارتفاع الكثافة السكانية، ولم يكن يجد هؤلاء أين يستقرون سوى أن يشيدوا مزيدا من الأكواخ القصديرية، وفي مرحلة لاحقة بدؤوا يشيدون منازل إسمنتية وآجرية، أو ما أصبح يعرف بالبراريك التي لا تتوقف عن التكاثر وكأنها نباتات الفطر.

الدوار الصغير الذي نبت سنة 1930 أصبح واحدا من أكبر الدواوير العشوائية والصفيحية بالدار البيضاء، إذ أصبح عدد الأسر به قرابة العشرة آلاف. الدوار أدرج ضمن مخطط محاربة دور الصفيح لتنفذ آخر عملية لإزالة هذا الكاريان في أواسط يناير الماضي وينتقل سكانه إلى المنازل، أو البقع التي مُنحت لهم بمشروع السلام بأهل الغلام وتُطوى بذلك صفحة من الصفحات السوداء، التي يكتنفها سجل هذه المدنية الأخطبوطية والتي صارت بمثابة غول، يتوسع كل يوم حتى صار يطل على المحمدية شمالا وبرشيد جنوبا.

يوسف الساكت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق