خاص

الإرهاب يهز فرنسا

اعتداءات تولوز  تحيي خطر القاعدة وتهز الساحة السياسية الفرنسية

19 مارس الجاري، تهتز فرنسا على وقع اعتداء إرهابي استهدف مدرسة يهودية في مدينة تولوز الفرنسية. وقع الخبر على الفرنسيين، المنشغلين بأخبار حملة انتخابية رئاسية انطلقت قبل أوانها، كان قويا. هل نحن مستهدفون؟ هل هذه رسالة من تنظيم القاعدة الذي يخرج رأسه من قبر دفنه فيه موت بن لادن؟ أم إعلان ميلاد طريقة جديدة

للعمليات الإرهابية، تعتمد على التحرك الفردني؟ أهي إشارة لإعادة النظر في طريقة التعاطي مع فئة
من الفرنسيين نشؤوا وتربوا على مبادئ جمهورية خامسة ترفض الاعتراف بمواطنتهم الكاملة، وتضعهم في “كانتونات” الأحياء الهامشية وتلوم عليهم عدم الاندماج؟ هل تشكل هذه العملية نقطة رابحة
يستفيد منها اليمين في حملته الانتخابية لترهيب الفرنسيين من هذا العدو الاسلامي الذي يهددهم، أم أن البديل عن سنوات من الوعود الواهية وسياسة هجرة تعتمد على المقاربة الأمنية سيكون
التصويت للاشتراكيين؟ كثير من الأسئلة التي تطرح في فرنسا، في أوساط المواطنين كما في وسائل إعلام على حد سواء، حول حدث يقال إنه سيشكل محطة بارزة في تاريخ الفرنسيين.

أخيرا، تمكنت القوات الخاصة الفرنسية من القضاء على الشاب الفرنسي محمد مراح الذي يشتبه في ارتكابه ثلاث هجمات بتولوز ومونتوبان، راح ضحيتها سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة عسكريين من أصول مغاربية وثلاثة أطفال يهود، لتضع حدا لمسلسل من المطاردة ووجه بمقاومة كبيرة أبداها مراح طيلة 32 ساعة من محاصرة منزله.

7 قتلى…ونادم لعدم قتل المزيد
مر رجل على دراجة نارية أمام مدرسة يهودية في مدينة تولوز جنوب غرب فرنسا، أطلق النار على كل من كانوا أمامه من أطفال وبالغين ولاحق الاطفال حتى داخل المدرسة، ثم لاذ بالفرار على متن دراجته النارية. حالة من الهلع والذعر انتابت شهود العيان، كما التلاميذ والعاملين بالمدرسة اليهودية، الذين رأوا ثلاثة أطفال ومدرسا يلقون مصرعهم خلال ثوان قليلة، دون أن يتمكنوا من استيعاب ما يدور حولهم. الإعلام الفرنسي والحقل السياسي أيضا كانا في حيرة من أمرهما. لكن تصريح المسؤولين لم يتأخر، إذ أكد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ووزير داخليته كلود غيون أن تفاصيل تنفيذ العملية لا تختلف كثيرا عن ثلاث عمليات قتل أخرى متفرقة راح ضحيتها ثلاثة عسكريين في تولوز ومونتوباتن خلال الأيام القليلة التي سبقت الحادث. وافادت مصادر الشرطة أن الرجل وصل على متن دراجة نارية واستخدم سلاحا من طراز 9 ميلمترات، خارج المدرسة، وأطلق النار على رجل قبل ان يتعطل سلاحه، فدخل مبنى المدرسة واستخدم سلاحا آخر من عيار 11.43، لإطلاق النار على الأطفال، وهو السلاح نفسه الذي استخدم سابقا لقتل المظليين الثلاثة، لتنطلق تحريات الشرطة التي حاولت الجمع تتبع خيوط الجرائم جميعها من أجل التوصل إلى القاتل.
بعد يومين من الحادث، أكدت القنوات التلفزيونية الفرنسية، تحديد هوية ومكان وجود المشتبه به في حوادث قتل الأشخاص السبعة، لتحاصره الشرطة الفرنسية في شقة في المدينة نفسها.
أشارت المعلومات منذئذ إلى أن القاتل المفترض اسمه محمد مراح. تسربت الكثير من المعلومات المتضاربة في بعض الأحيان حول هوية القاتل المحتمل، تفيد أنه شاب فرنسي من أصل جزائري، يبلغ من العمر 23 سنة، سجله العدلي لم يكن ليبعد عنه أنظار واهتمام الشرطة في تولوز، التي، ومنذ إعلان حادث المدرسة اليهودية، وضعته ضمن القائمة الأولية ل15 مشتبها بهم. وذكرت الشرطة الفرنسية أن مراح ناشط في جمعية “فرسان العزة”، التي تأسست في يونيو 2010، والتي أمرت السلطات الفرنسية بفكها يوم 29 فبراير الماضي بعد اتهم أعضاءها بأنهم يسعون الى تدريب ناشطين على الجهاد المسلح.
فجر اليوم نفسه، انطلقت مطاردة طويلة  استمرت حتى صباح أول أمس (الخميس) في تولوز، بين الشرطة ومحمد مراح الفرنسي الشاب الذي يشتبه في ارتكابه الهجمات الثلاث.
وأصبح من الصعب بماكان على محمد مراح، الافلات من عناصر الوحدة الخاصة في الشرطة الفرنسية الذين يطوقون منزله، والذين تلقوا التعليمات بإيقافه على قيد الحياة، من أجل متابعته في القضية التي يشتبه في ضلوعه فيها، والحصول على معلومات محتملة قد يزودهم بها حول وجود خيوط تنظيم إرهابي يعمل في فرنسا، وقد يسعى إلى تنفيذ عمليات أخرى مستقبلا.
ومن أجل ذلك، أحجمت القوات عن اقتحام المنزل، حسب تأكيدات وزير الداخلية كلود غيان الذي صرح حينها، “نأمل ان نتمكن من تفادي شن هجوم لأننا نريد القبض على مراح حيا لكي تتم محاكمته، هذا في الوقت الذي أكد فيه مدعي عام باريس فرنسوا مولان المكلف بالتحقيق في القضية ان محمد مراح كان يستعد لشن هجوم جديد وقتل جندي آخر حين تمت محاصرته.
أثناء محاصرته من طرف عناصر الشرطة، لم يجد مراح بدا في إطلاق النار وإصابة اثنين منهم بجروح كرد فعل على  محاولتهما توقيفه. توصل مراح بجهاز للتواصل مع عناصر السلطة، وأكد لهم أنه لطالما تحرك دائما وحيدا، وأبدى فخره بجعل فرنسا تركع له. ورغم يقينه بدنو ساعته، فإن مراح لم يبد أي ندم على ما قام به، بل إن ندمه الوحيد كان لعدم تمكنه من إيقاع المزيد من الضحايا !
وفي تبريره للعمليات التي قام بها، قال مراح إنه اغتال الجنود الفرنسيين الأسبوع الماضي، “للقصاص من الجيوش الفرنسية لمشاركتها في الحرب إلى جانب القوات الصليبية في أفغانستان”، أما الهجوم على المدرسة اليهودية، فقال إنه سعى من خلال إلى “الانتقام لأطفال غزة”.
في حدود الساعة العاشرة والنصف من صباح أول أمس (الخميس)، أعلن غيون مقتل محمد مراح بعد اشتباك عنيف مع قوات الأمن أطلقت خلاله أزيد من ثلاث مائة طلقة. وتوفي مراح الذي رفض الاستسلام وسلاحه بين يديه، كما كان أكد سابقا، إذ عند اقتحام رجال الأمن شقته خرج من الحمام وحاول الهرب عبر النافذة وهو يطلق النار، فقتل. لينتهي مسلسل المطاردة الذي دام يوما ونصف اليوم، وينطلق بالتالي نقاش وجدل جديد حول تعامل السلطات مع الحادث.

تقصير أم حروب انتخابية؟
هل كان يمكن القبض على مراح حيا؟ هل كان هناك تقصير من طرف المخابرات الفرنسية أدى إلى وقوع الحادث؟ هذان هما السؤالان الأكثر تداولا في وسائل الإعلام الفرنسية.
وتواجه الحكومة الفرنسية جدالا حول احتمال وجود ثغرات في مراقبة أجهزة الاستخبارات الفرنسية لمحمد مراح المشتبه به في تنفيذ جرائم تولوز ومونتوبان، سيما أنه سبق له ان زال باكستان وأفغانستان، كما أنه كان من الممنوعين من دخول الولايات المتحدة الأمريكية.
ونقلت جريدة “لوفيغارو”، المحسوبة على تيار اليمين الوسط، تصريحات عن “مصادر مقربة من الملف” اعتبرت أن الحادث أظهر أن مصالح الاستعلامات الفرنسية، التي أصبحت تخضع لرئاسة وتنسيق المجلس الوطني للاستعلامات، تعاونت بشكل جيد في ما بينها في ما يتعلق بتداول المعلومات، وأن جهاز الاستعلامات الفرنسي كان مصيبا في قراره إحداث تواصل بين قطبيه الداخلي والخارجي.
وجاء الرد الرسمي على لسان رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون الذي قال “لم يكن يوجد أي عنصر يبرر القبض على محمد مراح” قبل ارتكابه تلك الجرائم، “لأن فرنسا دولة قانون”، وأضاف فيون أمس (الجمعة) في رده على سؤال لإذاعة “إر تي إل” “ليس لدينا الحق في بلدنا أن نراقب باستمرار وبدون قرار قضائي شخصا لم يرتكب جريمة … إننا في دولة قانون”.
وأضاف المسؤول الفرنسي أن المديرية المركزية للاستخبارات الداخلية أنجزت عملها بصفة تامة وتعرفت على محمد مراح عندما كان يقوم برحلات (في إشارة إلى زيارته لباكستان وأفغانستان)… وأخضعته للمراقبة للمدة الضرورية، قبل ان تستنتج أن ليس هناك ما يدعو الى الاعتقاد انه رجل خطير قد يرتكب جريمة”.
وفي ما يتعلق بسوابقه العدلية، أكد فيون أن مراح “تعرض الى الاستجواب والمراقبة، إنه كان يعيش حياة عادية ولديه سوابق قضائية… لكن ذلك لا علاقة له بكل ذلك”، معتبرا أن انتماءه إلى منظمة سلفية ليس جريمة، وأنه لا يجب الخلط بين الأصولية والإرهاب.
ويبدو أن تصريحات فيون، التي ترد على تساؤلات الكثير من الفرنسيين، لم تقنع مرشحة اليمين المتطرف للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبين، التي اتهمت الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وحكومته بالتقصير في التصدي للتطرف الإسلامي بالحزم اللازم.
واتهمت مرشحة اليمين قطر بنشر التطرف في البلاد، معتبرة أن هناك أحياء كاملة في الضواحي الفرنسية تحت سيطرة الأصوليين، وأسلحة تنتقل وتمويل خارجي يدخل.
كما انتقدت وريثة جان ماري لوبين “”لأوغاد” الذين حاولوا توجيه الاتهام إلينا”، في إشارة إلى مرشح الوسط، فرانسوا بايرو، واليسار، جان لوك ميلانشون، بانتقداهما الخطاب اليميني المتطرف، الذي ولد لدى الفرنسيين مشاعر الحقد العنصري. واعتبر المرشح اليساري أن ليس هناك اختلافا بين  كون مرتكب اعتداءات تولوز إسلاميا متطرفا أو من النازيين الجدد، مضيفا أنه “يدين بالدرجة نفسها كل الذين يمارسون العنف والإقصاء والتفرقة العرقية أو الدينية، مهما كانت مرجعياتهم الفكرية”.
الرأي نفسه عبر عنه عدد من السياسيين الفرنسيين، إذ كتبت نادين مورانو، الوزيرة المكلفة بالتدريب والتكوين المهني، في صفحتها الخاصة على موقع “تويتر”،  “عندما يقتل محمد شخصا آخر يدعى محمد، أحدهما ارهابي والآخر عسكري منخرط في خدمة فرنسا، فإن هذا يمنع الخلط بين الأمور”…مواطن جزائري آخر عبر عن رأيه في الحادث في تصريح لإحدى القنوات التلفزيونية قائلا “محمد مراح فرنسي من أصل جزائري…وزين الدين زيدان، الذي أهدى الفرنسيين كأس العالم، كذلك”…

مظلي مغربي ضحية الإرهاب

قتل عماد على يد مجهول كان يستقل دراجة نارية ولاذ بالفرار. هذه هي المعلومات الشحيحة التي توصلت بها عائلة عماد بن زياتن، المظلي المغربي، هنا في المغرب حول وفاة قريبها الشاب يوم 11 مارس الجاري، حسب ما يؤكده “للصباح” الهادي بن زياتن، عم الضحية.  “لم نكن نعلم من القاتل، ولا حتى طبيعة الحادث، إن كان يتعلق بجريمة قتل عادية ام عمل إرهابي…أردنا دفنه في المغرب، بسبب الحب الكبير الذين كان يكنه له، وكنا نحضر لاستقبال الجثمان”، يضيف الهادي. في هذه الأثناء، كانت دوافع القتل تصب  في احتمالين، إما تصفية حسابات أو عملية عنصرية تستهدف أصوله العربية، حسب ما تؤكده العائلة، لكن المفاجأة حلت بعد بضعة أيام، إثر العثور على الخيط الرابط بين جريمة قتل تلاميذ المدرسة اليهودية والعسكريين الفرنسيين، الذي يؤكد أن  القاتل يحمل أيضا دماء عربية.
ومن المنتظر أن يصل اليوم (السبت) إلى المغرب جثمان عماد بن زياتن، ليدفن يوم غد (الأحد) في مدينة المضيق، تلبية لرغبة العائلة، التي أرادت أن يوارى جثمان ابنها الثرى في المدينة التي كان يحبها كثيرا، بعد التأجيل الذي تعرض له وصول الجثمان، بسبب الحفل التكريمي الذي أقيم لروح العسكريين الثلاثة ضحايا حوادث الاعتداء.
وكان عماد بن زياتن، رقيب مظلي شاب في الثلاثين من العمر، من مواليد فرنسا، قد لقي حتفه يوم 11 مارس الجاري على يد محمد مراح،  بعد نشره إعلانا على الأنترنت لبيع دراجته النارية، أشار فيه إلى عمله العسكري. ادعى مراح رغبته في اقتناء الدراجة النارية وحددا مكانا وموعدا للقاء …كان آخر موعد لعماد مع الحياة.

مراح…الشاب الذي أقلق راحة فرنسا

شاب نحيل في الثالثة والعشرين من العمر، أبيض البشرة، بابتسامة جذابة…هكذا يوصف محمد مراح الشاب الفرنسي من أصل جزائري المشتبه بتنفيذه هجمات تولوز. أفادت المعلومات أنه كان يعمل في ورشة لتصليح السيارات. كان مجرما عاديا ارتكب عددا من الجنح، وأمضى فترة من الزمن في باكستان وأفغانستان، ويزعم أنه ينتمي الى تنظيم القاعدة.
وحاول مراح الالتحاق بالجيش الفرنسي مرتين، لكنه لم يتمكن من ذلك. وكانت أول محاولة للانضمام إلى الجيش عندما كان عمره 19 عاما في مدينة ليل الشمالية في يناير 2008، ورفض بسبب سجله الإجرامي، والثانية كانت عام 2010 ، عندما تقدم بطلب للالتحاق بالحامية الأجنبية في تولوز، وفي هذه المرة، غادر المعسكر بإرادته. وظل جهاز الاستخبارات الداخلية الفرنسي يراقبه عدة سنوات، إلا أن عمليات المراقبة والتتبع هاته لم تكشف مؤشرات على أنه يعد لارتكاب جرائم أخرى، خصوصا المتعلقة بتنفيذ هجمات إرهابية. وأكد وزير الداخلية كلود غيان أن مراح عضو في مجموعة مؤلفة من 15 شخصا، يتبعون إيديولوجية سلفية متطرفة.
سجل محمد مراح القضائي يضم عددا من الجنح، لم تحمل أي منها صبغة إرهابية. لكن مراح أكد خلال المفاوضات مع الشرطة اثناء محاصرته تلقيه دعوات لتنفيذ اعتداء انتحاري لحساب القاعدة ورفض ذلك، ووافق على تنفيذ مهمة عامة في فرنسا أودت بحياة سبعة أشخاص في غضون أسبوع. وأعلن مدعي باريس أن محمد صور الهجمات الثلاث التي ارتكبها في تولوز وقتل فيها سبعة اشخاص ووضعها على الانترنت،  إذ عثرت الشرطة على الكاميرا التي استخدمها وشاهدت لقطات في غاية الوضوح. ورغم ميولاته القتالية، لكن الشاب الفرنسي أكد أنه “ليس انتحاريا، وانه لا يملك روح الاستشهاد، ولكنه يفضل القتل وأن يبقى هو حيا…”

إعداد: صفاء النوينو عن لوفيغارو (بتصرف)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق