ملف الصباح

“الفريضة” و”الفضيحة” تجبران القاصرات على الزواج من مغتصبيهن

الرابطة إنجاد: 22 في المائة من قضايا العنف الجنسي حالات اغتصاب

«لو كانت ابنتك تعرضت إلى الاغتصاب هل ترضى بتزويجها من المغتصب؟» سؤال يربك كل من تطرحه عليه، ويحاول أن يضع بينهما مسافة طويلة. عند الإلحاح يقترب منه باشمئزاز، يفكر، تعلوه مشاعر حيرة وتردد، قبل أن يطلق سراح قرار/الجواب «المجتمع يفرض ذلك، والقانون ما هو إلا تعبير عما يريده المجتمع». قلة قليلة ممن تطرح عليها السؤال ترد عليه بالرفض القاطع منذ الوهلة الأولى، «لا، لن أسمح بذلك يجب أن يلقى المغتصب عقابه». لكن شهادات الأغلبية تقبل بحكم المجتمع فتقول والدة طفلة اغتصبت وزوجت من مغتصبها، قبل أن يطلقها، «المهم بانت قدام الناس أنها دوزت الفريضة»، وهي بكل تأكيد ليست الأم الوحيدة التي تفكر بمنطق «الفريضة» و»الشرف» و»الفضيحة» و»الشوهة»، فهي نفسها الكلمات التي تؤثث أي حديث عن الاغتصاب وتزويج القاصرات.
قصة أمينة ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي تتكرر يوميا في المجتمع، ويحرص على أن يغطيها بإيزار الستر والكتمان، درءا ل»الفضيحة» وتجنبا ل»الشوهة»، وهي أيضا قصص لا تنتهي سعيدة، مادامت الزوجة تدرك واعية أو غير واعية أن هذا الرجل الذي تنام تحت سقف زوجيته، هو الوحش الذي اعترض سبيلها ذات يوم واغتصب طفولتها وأجهز على أحلامها وأنهى مسيرتها الدراسية وأدخلها قسرا إلى سجن الزوجية والأمومة، حتى وإن كانت طفلة مازالت في حاجة إلى رعاية أسرتها.

ضحايا
فاطمة فتاة أخرى من ضحايا الاغتصاب ثم العنف داخل بيت الزوجية، سبق أن استفادت من خدمات مركز لإيواء النساء المعنفات، تاركة طفلتين في بيت والدها، الذي لم يكن في البداية سوى مغتصب أمهما، «هو من ذوي السوابق، اعترض سبيلها ذات يوم وهي عائدة إلى بيت والديها، اقتادها تحت التهديد بالسلاح الأبيض إلى الخلاء حيث اغتصبها، إلا أنه بعد تقديم شكاية تنازلت أسرتها وقبلت بتزويجها من مغتصبها رغم علمها أن الأخير من المعربدين في الحي ومن المدمنين على المخدرات والكحول. ولم يكن الزواج من المغتصب المصيبة الوحيدة التي ألمت بالضحية، بل أيضا دفعها إلى الاشتغال خادمة في البيوت، ليتقاضى أجرتها ويصرفها على متطلبات إدمانه الخاصة. وحين كانت الزوجة المغتصبة تعترض، تلقى العنف الجسدي والنفسي، قبل أن يقرر الزوج اختطاف إحدى ابنتيهما وإيداعها في بيت والديه اللذين انتقلا للعيش في قرية أخرى، وحين كانت الضحية تلح عليه بإعادة ابنتها إلى حضنها كان يعنفها، لتلجأ إلى الشرطة حيث لم تجد المنصف، «بل الأكثر من ذلك أنها وهي عائدة من الدائرة الأمنية، اعترض الزوج سبيلها وعنفها، قبل أن تتدخل جمعية نسوية وتنقلها إلى مأوى النساء المعنفات، خاصة أن زوجها هددها بالقتل».
الاغتصاب أخذ حيزا كبيرا من نسبة العنف المرتكب ضد النساء سنتي 2010 و2011، حسب إحصائيات شبكة مراكز الرابطة إنجاد التابعة إلى فيدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، إذ قالت سعاد بنمسعود، المنسقة الوطنية للشبكة نفسها إن قضايا الاغتصاب شكلت 22 في المائة من قضايا العنف الجنسي ضمن النساء سنة 2010، و20 في المائة سنة 2011. مضيفة أن 46 حالة اغتصاب وردت على مراكز الإنجاد، ضمنها 12 حالة قاصر سنة 2011، و38 حالة اغتصاب سنة 2011 ضمنها تسع قاصرات.

المحنة لا تنتهي
محنة الزوجات المغتصبات لا تنتهي بمجرد الزواج من مغتصبيهن، بل تكون نقطة بداية معاناة طويلة تلازمهن طيلة حياتهن، وهو ما رصدته تقارير الجمعيات النسائية، لكن العائلات تتشبث بقرار تزويج الفتاة لمغتصبها، كما تجد هذه الأسر خلاصها في الفصل 475 من القانون الجنائي، واضعة أهمية ذلك في كفتي ميزان عقوبة المجتمع القاسية في كفة وعقوبة الزواج من المغتصب في كفة أخرى، فتعتقد أن الزواج من المغتصب سيجلب المحنة للفتاة فقط، وعكس ذلك عقاب للأسرة بجميع أفرادها خاصة الفتيات الأخريات اللواتي قد يقضي حادث اغتصاب شقيقتهن على كل فرصهن في الزواج أو الاندماج داخل المجتمع بشكل طبيعي، لكن زواج المغتصبة منهن، يضيق دائرة عقاب المجتمع، وهو الاعتقاد الذي تنطلق منه الأسر المغربية ويشرعن له الفصل 475 من القانون الجنائي.
وهو أيضا ما عبرت عنه الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب في إدانتها لحادث انتحار أمينة الفيلالي، إذ اعتبرت أن ما تعرضت له أمينة اغتصابا مؤسساتيا من مؤسسة العدل والقضاء التي كان من المفترض فيها أن تعدل بين الناس والتي على عكس ذلك تجيز من خلال القانون الجنائي (الفصل 475)، للمغتصب الزواج من ضحيته وتسقط عنه المتابعة القانونية لجريمة داس بها كرامة طفلة، واغتصابا قانونيا من خلال مدونة الأسرة التي تجيز للقضاء تزويج فتيات قاصرات وتسلب منهن حريتهن وكرامتهن وتسبي طفولتهن إلى الأبد. واغتصابا أسريا تفضل من خلاله الأسرة خوفا من «الفضيحة» التخلي عن متابعة جان اقترف أبشع الجرائم أولا، وثانيا استهدف طفلة بجريمته عوض أن تطالب بتشديد العقوبة عليه. واغتصابا ماديا وجسديا وهتكا للكرامة وللطفولة تتعرض له يوميا من طرف مغتصبها أو مغتصبيها وجلادها الذي يتحول إلى زوجها. قبل أن تتساءل إلى متى تظل حياة طفلات وشابات رهينة قوانين مجحفة أظهرت قصورها عن مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمغرب؟

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق