ملف الصباح

البكارة… قداسة غشاء الشرف

الزمزمي: تزويج المغتصبة من مغتصبها مكافأة له على جريمته

تجول في القرى والمداشر، أو في الحواضر الصغرى والكبرى، تحدث إلى الشباب كما تحدث إلى الكهول والشيوخ، وناقش في أمر البكارة النساء المتزوجات كما العوانس والشابات، اطرح أمرها للنقاش على محدودي المستوى التعليمي كما على أصحاب الشهادات العليا… وستخلص إلى أن غشاء البكارة في المنزلة نفسها، من حيث القداسة، التي تحتلها مقدسات أخرى من صميم الدين الحنيف.
نسبة كبيرة من الزيجات داخل المجتمع المغربي تتوقف على توفر «شرط» العذرية، أو تلغى بسببه، والإلغاء لا يكون بشكل آلي ودون «خسائر»، بل إنه يكلف «الفاقدة» عذريتها سمعتها وسمعة أسرتها ويلطخها بالأقاويل والاتهامات بالخروج عن السبيل القويم الذي أرسته منظومة التقاليد المغربية المتوارثة منذ أجيال، هذا إن لم يكلفها «حياتها» بسبب طيش أو تهور من طرف أب أو أخ لا يقوى على تحمل نظرة المجتمع ووسمه ل»شرف» العائلة بالخزي والعار.
عدد من الشباب الذين استطلعت «الصباح» آراؤهم، يجمعون على أن البكارة شرط «أساسي وضروري» في الفتاة التي يود كل واحد منهم الزواج بها. ويقول ياسين، وهو شاب في 27 من عمره ويتطلع إلى العثور على «بنت الناس» قبل بلوغه سن الثلاثين لاتخاذها زوجةّ، إن «غشاء البكارة دليل على عفة الفتاة وصيانتها لعرضها، ونحن في المجتمع المغربي نادرا جدا ما نتقبل أن يتزوج شاب من فتاة افتُضت بكارتها في واحدة من المغامرات الطائشة»، ويؤكد أنه هو نفسه لن يقبل «التزوج بفتاة غير عذراء، لأن في ذلك انتقاصا من رجولتي، كيف أواجه أسرتي والأصدقاء والجيران وأنا مرتبط بفتاة غير عفيفة، وقد تكون أقامت الكثير من العلاقات الجنسية غير الشرعية؟».
ياسين ليس بالشاب شديد التدين أو المتعصب لتعاليم الشريعة الإسلامية، كما يفعل الكثير من المتأثرين بالفكر الإسلامي السلفي، بل هو شاب حاصل على شهادة الإجازة في القانون العام ويتابع دراسته حاليا في السنة أولى ماستر بالرباط، لكن تحكمه الثقافة المحافظة السائدة في أوساط المجتمع والتي تمجد التمسك بكل ما تخال أنه يصون الشرف والكرامة. وهذا الأمر لا يقتصر على الذكور فقط، بل إن النساء بدورهن يكرسن الأعراف الممجدة لغشاء البكارة. فسمية، وهي طالبة في السنة الأولى بأحد المعاهد الخاصة لتكوين الممرضين بالدار البيضاء، تؤكد أن البكارة «هي جواز مرور الفتيات نحو عش الزوجية»، وأضافت، في دردشة مع «الصباح»، الفتيات بدورهن «لهن الرغبة في عيش حياتهن الغرامية والجنسية بكل حرية، لكن الهاجس لديهن هو أن يقع المحظور وبالتالي يحكمن على أنفسهن بالعنوسة والنبذ من طرف المجتمع»، وتستحضر في هذا السياق «حالات الكثير من الفتيات اللائي أدين ثمن مغامراتهن الجنسية غاليا، إذ أن إحدى بنات جيراننا كانت على علاقة بشاب يكبرها ببضع سنين وفي يوم من الأيام (سولت) لهما نفساهما إتيان المحظور، ففقدت هي بكارتها وتنكر هو لها، بعد ما كانت تتوهم أن علاقتهما ستنتهي بزواج. لقد انفضح أمرها في الحي واضطرت إلى أن ترحل عن بيت والديها، وسمعت أنها استقرت بمدينة مراكش، حيث تمارس الدعارة لتدبر منها مصاريف حياتها اليومية».
هالة القدسية التي يسبغها المجتمع المغربي على غشاء البكارة يرجعها أبو بكر حركات إلى الطابع الذكوري لهذا المجتمع، ويضيف، في حوار سابق مع «الصباح»، أن «النساء هن من يغرس في ذهن الرجل أهمية غشاء البكارة. وبالنسبة إلى الرجل فإن التربية التي تلقاها لا تقوم على مبدأ المساواة بينه وبين الفتاة، وبالتالي فإنه يلح على أن يكون هو من يفتض بكارة الفتاة التي سيتزوج، وأن لا تكون لها علاقة جنسية من قبل».
هذه العقلية التي تقدس غشاء البكارة تحكم على الفتاة التي تفقد بكارتها بالزواج من الشخص الذي افتضها، سواء كان ذلك (الزواج) برضاها أو رغما عنها بتزويجها من شخص قضى منها وطرا في ساعة نزوة عابرة، حتى وإن كانت لا تطيقه، وقد تقبل به فقط نزولا عند رغبة أسرتها التي تسعى إلى ستر «الفضيحة» و «العار».
وفي هذا السياق اعتبر عبد الباري الزمزمي، رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل، أن تزويج الفتاة المغتصَبة من مغتصبها “إصلاح لخطأ بخطأ أكبر منه”، وأضاف، في اتصال هاتفي مع “الصباح”، أن الأسر التي تلجأ إلى هذا الحل “تعطي للمغتصب هدية أو مكافأة على جريمته”، مشددا على أن المغتصب “يجب أن يلقى عقابه الشرعي أو القانوني”.
إلى ذلك، أكد الزمزمي أن البكر لا تتزوج إلا بعد أخذ رأيها، وذلك طبقا لتعاليم الشريعة، مشيرا إلى الحديث النبوي القائل “لا تنكح البكر حتى تستأذن” وهذا في “الزواج العادي فكيف إذا كانت هي حاقدة عليه”، وحكم الزمزمي على تزويج المغتصبة بمغتصبها بأنه “زواج باطل لأنه لا يجب إكراه الفتاة على الزواج”.

“ما تقيش ولدي” تستنكر تزويج القاصرات من مغتصبيهن

مباشرة بعد أن أصدرت وزارة العدل والحريات بلاغا تؤكد فيه أن  القاصر المنتحرة أمينة  الفيلالي، كانت على علاقة مع الشخص الذي تزوجها، وأن هذه العلاقة نتج عنها افتضاض بكارتها برضاها، أثيرت الكثير من ردود الأفعال.
البلاغ أكد أن أطراف القضية حين تقدموا أمام الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بطنجة طلبوا مهملة من أجل إبرام عقد الزواج، ما كان سببا قويا في عدم تحريك المتابعة مراعاة لمصلحة القاصر، كان مناسبة لتصرخ، من جديد، الجمعيات النسائية والأخرى المهتمة بالأطفال، وتطالب بإنصاف المرأة، سيما المغتصبة والقاصر.
وفي هذا الصدد، أبدت جمعية «ما تقيش ولدي» رفضها المبدئي التام لتزويج القاصرات أقل من 18 سنة، ملحة على ضرورة تعديل المادة 20 من مدونة الأسرة المتعلقة بسن الزواج. وعبرت الجمعية ذاتها عن رفضها  المطلق لتزويج القاصرات المغتصبات إلى مغتصبيهن، باعتباره شكلا من أشكال التشجيع على الإفلات من العقاب، محملة المسؤولية لكل من تواطأ ضد الطفلة القاصر. ودعت الجمعية إلى «تجاوز التقاليد البائدة في المجتمع المغربي والمتسمة بسيادة النفاق الاجتماعي تحت إطار الشرف وكرامة الأسرة وغيرها، واختصار شرف المرأة عموما والقاصر خصوصا في بكارتها». كما تطالب الجمعية ذاتها، الجهات المختصة بضرورة التنزيل الحقيقي لمقتضيات الدستور، خاصة في الشق المتعلق بسمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية، مع التحرك الفوري لملاءمة القوانين الوطنية المتعلقة بحقوق الطفل مع المعاهدات الدولية.

محمد أرحمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق