ملف الصباح

على النيابة متابعة الجاني رغم تنازل المغتصَبة

حاتم بكار المحامي بهيأة القنيطرة أكد أن مسؤولية الجاني في حالة الاغتصاب لا ترفع حتى بعد الزواج

يرى المحامي بهيأة القنيطرة، حاتم بكار، أن من واجب النيابة العامة التمسك بمتابعة الجاني رغم تنازل الضحية وقبولها الزواج بالمعتدي عليها، لأن النيابة العامة تدافع عن الحق العام الذي لا يمكن التنازل عنه، مشيرا إلى أنه في حالة الاغتصاب، لا ترفع مسؤولية الجاني ولا يعفى حتى ولو تزوج من الضحية، فيما توجد العديد من الثغرات القانونية، من حيث الممارسة، التي يتملص بواسطتها المتهمون أو الأظناء من المسؤولية، أبرزها دعوى ثبوت الزوجية.

تفاصيل أكثر في الحوار التالي:

ما هي الفلسفة والمقاصد التي كانت وراء وضع الفصل 475 من القانون الجنائي؟
في البداية يجب التنويه بنقطة جوهرية في هذا الحوار، إذ أن حوارنا هذا مرتبط بنقاش عمومي وسجال قانوني، داخل الأوساط الحقوقية والقانونية والقضائية بالمغرب، ناتج عن حالة المرحومة أمينة الفلالي.
وفي اعتباري الشخصي، هذا النقاش الدائر الآن حول الفصل 475 من القانون الجنائي مجانب للصواب، إذ ليس هو الفصل الذي يؤطر حالة المتوفاة، لأنه جاء في الفرع الرابع من الباب الثامن من القانون الجنائي الذي يتحدث عن خطف القاصرين وعدم تقديمهم، ولم يرد في هذا الفصل أي مقتضى قانوني يشير إلى واقعة الاغتصاب أو هتك العرض، بل يشير فقط، وعلى سبيل الحصر، إلى اختطاف قاصر أو التغرير به، دون استعمال عنف ولا تهديد ولا تدليس، أو محاولة ذلك، فقط في هاتين الحالتين (الاختطاف والتغرير)، لا يمكن متابعة مرتكب الفعل الجرمي إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج، والحال أن واقعة أمينة الفيلالي يؤطرها الفصل 484 و485 من القانون الجنائي في فرع انتهاك الآداب اللذين يعاقبان على هتك عرض قاصر ترتب عنه افتضاض سواء اقترن بعنف أم لا.

ما هي الحالات التي يبيح  فيها القانون إعفاء المغتصب من العقاب؟
أولا يجب الإشارة إلى مفهوم الاغتصاب الذي يعرفه الفصل 486 من القانون الجنائي بأونه مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها، أما عندما يتعلق الأمر بقاصر فإن العقوبة تكون مضاعفة ومشددة.
ليس هناك نهائيا أي حالة يعفى فيها المغتصب، إلا الحالات التي يعفي فيها القانون المسؤولية الجنائية بالمطلق، مثل حالات الجنون والقاصر غير المميز، وكذلك الحالات الخاصة التي تكون مرتبطة بإطارات تعتبر فيها إلزامية تنفيذ أوامر الرؤساء.

هل عرف العمل القضائي تطورا معينا في تطبيق هذا الفصل من القانون الجنائي؟
عندما نتحدث عن العمل القضائي نتحدث عن القضاء الجزري، وهذا القضاء مفترض فيه أن يكون اجتماعيا، بحيث ينظر في كل قضية بحسب سياقها وحيثياتها، ويتمتع فيه القاضي بسلطة تقديرية واسعة تجد أساسها في مبدأ الاقتناع الوجداني، هذا المبدأ الذي ينبني على ما راج أمام القضاء من مناقشات، وكذلك ينبني على الحقيقة القضائية التي توفرها الوثائق والمستندات المدرجة بملف القضية.
وفي حالات مماثلة، على القاضي أن يراعي وضعية القاصر التي اغتصبت أو هتك عرضها ونتج عن ذلك افتضاض للبكارة، فما الأفيد بالنسبة إليها: دخول الضنين أو المتهم السجن ومواجهتها لمجتمع متحجر تحكمه عقليات متعددة وفي جلها متشددة ولا ترحم؟ أم أن يساهم هذا القاضي في حل هذا المشكل من خلال مساطر قانونية تضمن استقرارا للمجني عليها؟ ويبقى السؤال الأبرز في هذه الحالة هل في تزويج “تسليم” هذه القاصر للمعتدي عليها إصلاح أو صلاح؟ خصوصا أنها إن لم تكن ضحية فعل جرمي فقد تعرضت على الأقل للاستغلال، وهذا في حد ذاته يعتبر مساسا بشخصها وبكرامتها ويعتبر إضرارا بها وبأسرتها كاملة، نظرا لما لهذه الأفعال من أبعاد اجتماعية ودينية، خصوصا في العالم القروي والبوادي التي تشير الإحصائيات إلى وقوع نسب عالية من هذا النوع من الجرائم بها.

هل يسقط حق الضحية في المطالبة بالقصاص أو التعويض بعد زواجها من المعتدي؟
أجدد التأكيد على أن الشرط المفترض في الفصل القانوني الذي هو الزواج أشار إليه الفصل 475 لوحده، في حالتي الاختطاف أو التغرير، أما بخصوص الاغتصاب فلا ترفع مسؤولية الجاني ولا يعفى حتى ولو تزوج من الضحية، لكن كل ما هنالك أنه يستفيد من ظروف التخفيف بعد أن تتنازل الضحية عن شكايتها.
أما من حيث الممارسة فهناك العديد من الثغرات القانونية التي يتمصل بواسطتها المتهمون أو الأظناء من المسؤولية، لعل أبرزها دعوى سماع الزوجية أو ثبوت الزوجية، فإذا افترضنا أن شخصا اغتصب قاصرا وتقدم أثناء متابعته بدعوى سماع الزوجية، وأحضر شهودا أثبتوا أنه كان متزوجا بالضحية قبل اغتصابه لها، فلا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار ذلك الفعل اغتصابا وتغل يد النيابة العامة في هذه الحالة، فلا يبقى لها مبرر من أجل المتابعة، إلا إذا أعادت تكييف الفعل الجرمي وفق سلطة الملاءمة المخولة لها، وهذا يعتبر تحايلا كبيرا وصارخا على مقاصد المشرع التي ترنو الحفاظ على السلم والأمن الاجتماعيين والنظام العام.
أما بخصوص مسألة التعويض، فبالرجوع إلى الفصل 475 (الفصل المغالطة) فيتيح للقاصر المتزوجة من الجاني عليها التقدم بشكاية متى صدر حكم بإبطال عقد الزواج، وليس البطلان كما ورد بالفصل، مع مراعاة آجال التقادم.

هل تكفي موافقة ولي الأمر على الزواج والتنازل لحرمان الضحية من حق متابعة الجاني؟
نتحدث في هذه الحالة عن مسطرة قضائية مدنية، تخضع لمقتضيات مدونة الأسرة، التي خولت لقاضي الأسرة المكلف بالزواج سلطة تقديرية واسعة لتقرير ما إذا كانت القاصر قادرة على الزواج، فإن رفضت هي وتمسك ولي أمرها بالزواج، يمكن لهذا القاضي أن يرفض تزويجها إذا ما تبين له أن في ذلك إضرارا بها، وقد نتصور أيضا العكس، إذ يمكن لقاصر أن تتمسك بتزويجها رغم رفض وليها ذلك، لكن يبقى القرار الأخير للقاضي المكلف بالقضية وفق ما يتكون لديه من قناعة، تراعى فيها بالأساس وبالضرورة مصلحة القاصر، ومن له حق المتابعة هو النيابة العامة فقط، بناء على شكاية أو وشاية أو ما يصل إلى علمها.

ألا يحق للنيابة العامة التمسك بمتابعة الجاني رغم تنازل الضحية وقبولها الزواج منه؟
بلى، بل من واجب النيابة العامة أن تتمسك بمتابعة الجاني رغم تنازل الضحية وقبولها الزواج بالمعتدي عليها، ولو في إطار إعادة تكييف المتابعة، فالنيابة العامة تدافع وتحمي الحق العام الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال التنازل عنه، وهنا أخطأت وزارة العدل في تبريرها وتفسيرها لهذه الواقعة.

هل يختلف الحال بين ضحية قاصر وضحية راشد؟
يختلف الحال في ما يخص مسألة الأهلية والإرادة، فالقاصر لازم حضور وليها، والراشد لها أن تتولى أمرها بنفسها، وكلتاهما تخضعان للمصادر القانونية الملزمة.
أما من حيث العقوبة فإن الأمر يختلف، إذ يعتبر اغتصاب أو هتك قاصر ظرفا من ظروف تشديد العقوبة، خاصة إذا ما اقترن به عنف، يمكن أن تصل حد الإعدام إذا نتج عنه وفاة الضحية.

بلاغ وزارة العدل فيه مساس خطير بالمسطرة القانونية

نبه حاتم بكار، محام بهيأة القنيطرة إلى أن العدالة البشرية في أجل مستوياتها، تبقى عدالة ناقصة، تجد مناطها في الحقيقة القضائية فقط، “فمفهوم العدالة في هذا السياق مفهوم نسبي، وهنا يطرح سؤال جوهري، ما دام القانون هو وسيلة القضاة في تنزيل وتجسيد العدالة التي توافق عليها المجتمع، وما دام القاضي يتوفر على سلطة كبيرة في ملاءمة وتقدير هذا القانون، فهل نعمل مبدأ سلطان القضاء، أي أن للقاضي أن يجتهد وفق مقتضى النوازل بصفته هو الذي يحيي الفصل القانوني ويجسد روح العدالة؟ أم علينا أن نتقيد بمبدأ سلطان القانون ولا نحيد عن النص القانوني، وهذا مظهر مغاير من مظاهر العدالة”.
وفي ما يخص واقعة أمينة الفيلالي، ذكر بكار أن وزارة العدل في بلاغها المنشور على صفحتها الإلكترونية بتاريخ 16 مارس 2012، صرحت أن الهالكة كانت على “علاقة بالشخص الذي تزوج منها نتج عنها افتضاض بكارتها برضاها حسب أقوالها”، وقد أكدت أقوالها في سائر أطوار المحاكمة بحضور والدتها وولي أمرها في مراحل متعددة “من أجله تؤكد الوزارة أن المساطر القانونية المتبعة قد تم احترامها، وأن النيابة العامة أمسكت عن تحريك المتابعة رعيا لمصلحة القاصر واستجابة لطلبها وطلبات والدها والشخص الذي تزوج بها في إطار ما ينص عليه القانون”. واعتبر الأستاذ الجامعي أن في “هذا مساسا خطير بالمسطرة القانونية عكس ما تقدمت به وزارة العدل، إذ ليس من حق النيابة العامة الإمساك عن تحريك المتابعة في حالة الاغتصاب أو هتك العرض الذي نتج عنه افتضاض البكارة، بل من واجبها أن تتابعه من أجل هذه الأفعال، وللجاني أن يستفيد من ظروف التخفيف في حالة التنازل، وحسبي بوزارة العدل تتحدث في بلاغها عن الفصل 475 الذي اقتصر على سبيل الحصر، على مقتضيين اثنين وهما الاختطاف والتغرير بالقاصر ولا يكون فيهما بطبيعة الحال أي اتصال جنسي”.

أجرت الحوار: هجر المغلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق