مجتمع

التنين الأصفر في قلب البيضاء

علاقات الصينيين مع التجار والعمال جيدة ويرفضون تدخل الأجنبي في شؤونهم الخاصة

قف، أنت في مدينة شنغهاي الصينية، عفوا في قيسارية «الشينوا» بدرب عمر بالبيضاء، ولا فرق، فالجنس الأصفر حط الرحال بالعاصمة الاقتصادية، وانصهر مع كل الأجناس الأخرى، من ذوي البشرة البيضاء إلى السوداء.
بهر الصينيون المغاربة، منذ أن استوطنوا «درب عمر»، واكتشفوا فيهم تفانيا في العمل وموهبة في فن التجارة، سيما حينما نجحوا في وقت قياسي في كسب زبناء لهم بفضل حنكتهم ونباهتهم، بل منهم من حققت تجارته ازدهارا، دون أن يتأثروا بالأزمة الاقتصادية العالمية.
يسرع صيني الخطى بشكل غريب جدا في زقاق بإحدى قيساريات درب عمر، ولا يأبه للازدحام وأبواق السيارات الصاخبة، ولا الصياح أصحاب العربات المجرورة أو الشاحنات الكبيرة، بل انطلق مثل السهم إلى محله التجاري لملاقاة زبون مهم، حسب ما حكى عامل عنده في ما بعد.
يُقسم العامل نفسه على أن روح المنافسة تسكن الصينيين، إذ غامروا برأس مالهم في بلاد المغرب الأقصى، بل قاموا بدراسة ميدانية لاحتياجاته، قبل أن يقرروا  إغراق السوق المحلية بمنتجاتهم، حينها استأنسوا بالأجواء وتعلموا العربية في زمن قياسي، ثم اندمجوا في عالم غريب عنهم. لكن كم يبلغ عدد الصينيين في المغرب؟ وما هي عاداتهم وعلاقاتهم؟
في دراسة سابقة حددت وزارة الداخلية عدد أفراد الجالية الصينية الموجودة بالمغرب في 1452  صينيا، وتتفاوت وضعيتهم ما بين تجار وأطر عليا وتقنيين ومستخدمين وطلبة وأساتذة وإداريين وعاطلين، مشيرة، إلى أن الرتبة الأولى  يحتلها المهندسون والتقنيون المشتغلون بعقود، ويصل عددهم إلى 542 مهندسا وتقنيا، فيما يأتي التجار في الرتبة الثانية، ويصل عددهم إلى 336 تاجرا.
وحسب الدراسة ذاتها، فإن معظم الصينيين المقيمين بالمغرب لغرض التجارة أو الإدارة يتمركزون في العاصمة الاقتصادية ونواحيها، ويصل عدد هؤلاء بهذه الجهة إلى 528 صينيا، فيما جهة تازة الحسيمة هي الجهة الثانية من حيث تمركز عدد أفراد هذه الجالية بما مجموعه 266 صينيا، وهو ما يفسره ويؤكده إنجاز الطريق السيار الرابط بين تازة وكرسيف من طرف مقاولة صينية، وذلك في الوقت الذي لا تحتضن جهة الرباط سلا زمور زعير سوى 245 صينيا، فيما تحتضن جهة مراكش الحوز تانسيفت ما مجموعه 143 صينيا، وجهة سوس ماسة درعة 86 صينيا.
المثير في الدراسة أنها أشارت إلى أن 216 صينيا من مجموع 1452 مقيما بالمغرب يوجدون من دون عمل، في حين أن قرابة مائة وخمسين صينيا يعتبرون في عداد أطر التدبير، و102 آخرون يمارسون الأعمال الحرة، وواحدا وثمانين يعتبرون مستخدمين، فيما حددت عدد الطلبة الصينيين بالمغرب في 14.
لكن هل تعكس هذه الأرقام العدد الحقيقي للصينيين؟ لا يخفي أحد العاملين الذين تربطه علاقة وطيدة بالصينيين أن مجموعة من الشركات الصينية اختارت المغرب للاستثمار، وجلبت معها يدا عاملة مهمة مكونة من المهندسين، ففي سنة 2004، لم يكن عدد الصينيين القاطنين بالمغرب يتعدى 500 شخص. حاليا، حسب إحصائيات السفارة الصينية، ارتفع عددهم إلى 3000 شخص في ظرف خمس سنوات.
عالم الصينيين بالمغرب متشعب، إذ يقر العامل ذاته أن ليس كل الصينيين تجار، فهناك العاملون في قطاع الصيد والاتصالات والبناء، إلا أن منتجاتهم المتنوعة والمتعددة أعطت الانطباع بأن أغلبهم يعملون في التجارة، سيما منذ قرارهم الاستقرار بدرب عمر، باعتباره أهم مركز تجاري في المغرب.
ويعترف أغلب العاملين مع الصينيين أن تعاملهم الطيب وحسن سلوكهم شجع المغاربة على ربط علاقات إنسانية معهم، إذ لم يبد تجار درب عمر أي تضايق من وجودهم، بل أعجبوا بهم وبعاداتهم وطباعهم، وانبهروا باتقانهم لغة التواصل مع زبائنهم، في حين لم يخف عامل آخر أنه سمع شخصيا صينيين يتحدثون بإعجاب عن المغرب، حتى أن أحدهم أبدى ارتياحه نتيجة تأقلمه مع والزبائن والعاملين في المتجر.
يقر مساعدو الصينيين في المتاجر أن التعامل مع الجنس الأصفر مريح جدا، ولا توجد فيه أدنى عراقيل أو صعوبات، مثل تلك التي يواجهونها في المحلات التجارية الأخرى، ولا تقف العلاقة بين الطرفين عند حدود العمل بل تتجاوزه إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يجتمعون على مائدة واحدة في بعض الأحيان والمناسبات.
ورغم هذا الإعجاب، يبقى عالم الصينيين منغلقا، سيما أنهم يفضلون عدم البوح بتفاصيل حياتهم، بل يلجؤون إلى الحذر من كل من حاول اختراق عالمهم، وهو سلوك، حسب بعض المقربين منهم، يعود إلى تربيتهم وطبيعة تنشئتهم الاجتماعية التي تتحكم في نوعية العلاقة مع الآخرين… إنه عالم فريد يغري بمتابعة جنس اشتهر بتفانيه وقدرته على الإبداع.
خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض