دوليات

تنحّي الأسد أفضل سبيل لإحياء ذكرى الثورة

الكثير من السوريين يخشون أن يؤدي التدخل العسكري إلى تعميق معاناة السوريين

قبل اثني عشر شهرا، اعتقلت السلطات السورية مجموعة من تلاميذ مدرسة في مدينة درعا بجنوب سوريا، لأنهم تجرؤوا على كتابة عبارات ضد النظام على جدران مدرستهم. وأعيد هؤلاء الأطفال بعد أسبوع إلى أهاليهم وأجسادهم مغطاة بالدماء والكدمات، وبعضهم اقتلعت أظافرهم. كانوا مجرد أطفال صغار لم يبلغوا بعد سن

المراهقة. في السنوات السابقة، كانوا سيبقون ضحايا تعذيب من قبل نظام الأسد دون التعريف بأسمائهم، لكن في عام 2011، استقى أهالي درعا الإلهام من الدول العربية المجاورة، وخرجوا في مظاهرات اجتاحت الآن كافة أنحاء سوريا.
الوضع في سوريا اليوم يلقي بظلاله على أنحاء الشرق الأوسط. والإحصاءات الوحشية للقمع الذي يمارسه النظام تتحدث عن نفسها: لقد سقط أكثر من 8000 قتيل، بمن فيهم 380 طفلا، وهناك ما يربو عن 10000 معتقل، بلا سبب وبدون محاكمة. ونشاهد في تسجيلات فيديو مشوشة يسجلها المواطنون قناصين يطلقون النار على الجنازات. وقد أصبحت منطقة بابا عمرو في مدينة حمص نموذجا لما يبديه النظام من ازدراء مشين لحياة الإنسان، واعتقاده الخاطئ بأن بوسعه قمع تطلعات شعبه المشروعة بعنف.
ودأبت المملكة المتحدة على المشاركة بكل زخمها في الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة. وتولينا قيادة عقوبات الاتحاد الأوربي التي ترمي إلى زيادة الضغوط على النظام السوري وكل من يدعمون حملة الرعب التي يقودها.
ويعمل الاتحاد الأوربي أيضا على تضييق الخناق على قدرة النظام على تمويل القمع، وذلك من خلال قطع عوائده من تصدير النفط السوري. وقد استهدفنا 100 فرد بتجميد أرصدتهم وفرض حظر سفر عليهم. كما تساعد بريطانيا بتوفير الدعم العملي والسياسي للمعارضة السورية، ومناشدتها توحيد رؤيتها تجاه سوريا ديمقراطية يتمتع مواطنوها بالمساواة في الحقوق.
وعلاوة على ذلك، نعمل على التفاوض بشأن قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي يطالب بوقف العنف، وبأن يسحب النظام قواته من البلدات والمدن، ويشدد على ضرورة إتاحة دخول مؤسسات الإغاثة دون عراقيل، والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، ويدعو إلى عملية سياسية بقيادة سورية تماشيا مع جهود جامعة الدول العربية، ذلك هو السبيل الوحيل للتوصل إلى حل سلمي للأزمة، ونحن نهيب بكل من روسيا والصين التعاون معنا لأجل تحقيق ذلك.
يسألني البعض أحيانا عن سبب عدم تدخلنا عسكريا في سوريا كما فعلنا في ليبيا. الواقع هو أن الوضع في سوريا أكثر تعقيدا بكثير عما كان عليه الوضع في ليبيا. فقد تلقينا بشأن ليبيا مطالبة صريحة من معارضة متحدة بالتدخل الدولي، ودعم قوي من جامعة الدول العربية لاتخاذ إجراء عسكري، وتكليف بموجب قرار صدر عن مجلس الأمن. أما في حال سوريا، فلم يتوافر أي من هذه الشروط. وعلاوة على ذلك، يخشى الكثير من السوريين أن يؤدي التدخل العسكري إلى تأجيج الوضع، وأن يكون له الكثير من العواقب الخطيرة في سوريا وجيرانها، ويزيد معاناة الشعب السوري.
الحقيقة هي أن ليس هناك حلولا سهلة للأزمة في سوريا، لكن ذلك لا يعني أننا سنقف متفرجين، بل سنواصل بذل كل ما باستطاعتنا لمساندة الشعب السوري.
فسوف نستغل كافة السبل الدبلوماسية والاقتصادية لتشديد الخناق على النظام المجرم. وسنجعل من الأصعب عليه ترهيب المواطنين، كما سنساعد المعارضة السورية على توحيد صفوفها والاتفاق على مستقبل سياسي لسورية، ووفق ما يناسب شعبها. وسنواصل بذل الجهود لضمان محاسبة المسؤولين عن اقتراف هذه الجرائم، ذلك بالمساعدة في توثيق الانتهاكات التي يقترفها، فالمسؤولون عن قتل عائلات بمجملها، وقصف البيوت، وقتل المعتقلين، وتصفية المعارضين السياسيين، وتعذيب النساء والأطفال لا بد من تحذيرهم بأنهم سوف يحاسبون عن عمالهم مستقبلا.
والأحداث التي وقعت، أخيرا، في حمص حين ارتكبت مجزرة شملت نساء وأطفالا تبين بجلاء أن الأسد فقد شرعيته، ولم يعد بإمكانه أن يزعم قيادته لسوريا. كما يتبين من أعمال العنف المتواصلة أن العنف لن يحقق النصر للنظام الذي بات يزداد ضعفا. يجب على الأسد التنحي عن الحكم لما فيه أفضل مصلحة لسوريا ووحدة شعبها. وبعد مرور عام على أول محاولة للنظام لقمع معارضيه، فإن تنحيه لإتاحة حوار حقيقي بشأن عملية الانتقال سيكون أفضل سبيل لإحياء هذه الذكرى السنوية الأولى المأساوية. وإلى أن يفعل ذلك، فإننا لن ننسَ الشعب السوري ولا حتى ليوم واحد.

بقلم: ويليام هيغ, وزير الخارجية البريطاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق