منبر

المـرأة المـغربيـة بـين خطـاب التقلـيـد والحـداثة

الهادي الهروي
إن المقصود بمفهوم المرأة المغربية هو تحديد خصوصيتها على مستوى الهوية والتمايز. أما على مستوى الخطاب حولها، فيتجلى
في أنه مجرد تصور افتراضي يبقى قابلا للشك والمحاجة والبرهنة ليتحقق كاعتقاد وصواب. من هذا المنطلق المفاهيمي
والمنهجي، تستمد أشكال الخطابات النسوية قوتها، إذ ينتعش الخطاب العامي حولها 

من التمثلات الشائعة في النسق
المجتمعي، ويبقى الخطاب الديني والإيديولوجي منتهلا لأسسه من مفاهيم ذات تأويلية براغماتية توقيفية تارة
وتوفيقية تارة أخرى حسب مقاصد الدعاة والأغراض. لذا، ينبغي التحفظ من أشكال الخطابات المتناولة
لقضية المرأة المغربية بهدف الابتعاد عن المزالق والصور التي تروم بعض الأوساط العدوة والصديقة،

الداخلية والخارجية، إلصاقها بها.
من خلال هذا التقديم تطرح اليوم إشكالية ماهية المرأة المغربية بين التقليد والتحديث، وتموضعها السياسي والثقافي في المجتمع؟ خصوصا ضمن حكومة و»إن خفتم ألا تعدلوا» فوزيرة واحدة؟
المرأة المغربية في المتخيل التقليدي:
كانت المرأة المغربية خصوصا الأمازيغية، قبل الاستقلال موضوعا لكثير من الدراسات الوطنية والغربية، إذ اهتم بها سوسيولوجيون وإثنوغرافييون وأنثربولوجيون كل من موقع منهجه، فأحاط بها الوصف من جميع الجوانب: اللباس، التجميل، الطبخ، العمل، الاعتقاد، العادات، ورصدوا تقاليدها وأعرافها وطقوسها وتداولها للمعتاد اليومي والانشغالات الرمزية والعملية.. وفي هذا الباب تطرق كل من «ريمون جاموس» و»م. د. هارت» للمرأة الريفية بالشمال المغربي، ووصف «إيدموند دوتي» طقوس المرأة «الحاحية» في العديد من مقالاته غير المنشورة والمرأة الرحمانية في كتابه «مراكش»، وعرض «روبير مونتاني» مساهمة المرأة الأمازيغية بجبال الأطلس الكبير المركزي في الأعمال اليومية بجانب الرجل، واستفاض «جاك بيرك» في كتابه الشيق في رصد ديناميكية المرأة السكساوية، وغيرها من الأبحاث الممتعة التي كشفت فعالية المرأة المغربية وجرأتها وشجاعتها في مواجهة جميع التحديات إلى جانب الرجل بما في ذلك مواجهة الاستعمار.  وقد كشفت بعض هذه الدراسات عن خضوعها للتكيف الثقافي المتبادل مع كل أشكال الحضارات والأمم المتعاقبة على المغرب، فقد كان التأثير الثقافي العربي الإسلامي أقوى مما جل الشريعة تطبع كل أصناف الممارسات اليومية، لكن دون نسيان “الأزرف” الذي ما زال يجثم  بكلكله على أغلب المناطق الجبلية، مما يجعل المرأة المغربية الأمازيغية خاصة تعيش على نمطين من القوانين: قانون العرف وإملاءاته المنبثقة من مجلس أو جماعة، وقانون الشرع الإسلامي المؤسس على مبادئ الكتاب المقدس والسنة النبوية، فهي في الكثير من المناطق الريفية المغربية الأمازيغية أو العربية مازالت منزوعة الحقوق، ممنوعة من الإرث، مأمورة وليست آمرة، ملزمة بعقود الطاعة والنكاح، وظيفتها الإنجاب والخصوبة والإنتاج كما هو شأن الأرض القابلة للفلاحة والزرع والري، لكي لا تصبح أرضا بوارا، وفي حالة الاحتجاج أو الرفض وجب هجرها في المضاجع وتركها وضربها حتى تفي إلى حق الله، وهنا يصبح تعنيف المرأة واجب الوجوب بنص قرآني.
إن هذه الرؤية التحقيرية للمرأة المغربية هو النمط المرجعي الذي يمتح منه العديد ممن يسكنه الفكر الذكوري، فمثل هذا التصور هو الذي حنط المرأة المغربية بالعديد من السلط وأنواع من الوصايات، ونذكر منها وصاية المقدس وسلطة النصوص الفقهية الاجتهادية الدوغمائية والوضعية، ووصاية السلطة المركزية الأحادية التشريع والقرار، إلى جانب السلطة البيولوجية الجنسانية المدعمة بتأويل المتخيل الشعبي السلبي ودونيته. ولعل مثل هذا التصور الإيديولوجي القصدي هو ما يعوق مشاركة العنصر النسوي الكفؤ والفاعل في التركيبة الحكومية الحالية.
إجمالا، رغم وجود الكثير من النصوص المهتمة بالمرأة المغربية ومقاربة أوضاعها وانشغالاتها، فإن أغلبها انبثق من خطاب سلفي ذي توجهين: توجه سلفي كلاسيكي ابتدأ منذ عهود مع فقهاء مثل زروق والونشريسي والأعرج السليماني والضعيف الرباطي والمختار السوسي وأكنسوس وأحمد بن خالد الناصري السلاوي ومحمد بن أحمد الأكراري …
توجه سلفي جديد ذو منحى وطني، نجده عند محمد بن عبد الكريم الخطابي ومحمد بن الحسن الوزاني وعلال الفاسي … وقد دأب هؤلاء في معالجة وضعية المرأة المغربية دأب قاسم أمين في مصر، لكن حنطوا نظرياته التحررية النسوية بأغلفة نصية دينية.
خلاصة القول إن النموذج المثالي للمرأة المغربية للأغلبية الساحقة من المغاربة هي تلك التي ترتبط بالأصول السوسيوتاريخية والثقافية، فلا تغادر البيت، وتلتزم بالطاعة والخدمة، وتدخر “لدوائر الزمان”وتحافظ على طهارة النسب والشرف، بالمعنى الأنثربولوجي، الذي يجلب البركة واليسر والفوز …فتكون بذلك ” ولية” بالمعنى الكامل، غير أن النظر إلى المرأة الفاعلة العاملة والمتعلمة والموظفة والداعية إلى التحرر من الاستعمار والمشاركة في الحركة الوطنية ومواجهة كل أشكال الاستبداد، ظلت نظرة مغيبة من طرف الخطاب الذكوري.
المرأة المغربية في الخطاب الحداثي”:
ابتدأت مسألة حداثة المرأة المغربية مع انطلاق الإصلاحات الكبرى التي شرع في تنفيذها الحسن الأول، ووجدت صدى وترحابا من طرف المفكرين والعلماء الذين دعوا إلى تحررها من التقاليد العتيقة وتحفيزها على المشاركة في الأمور العلمية والسياسية إسوة بالرائدات السياسيات والعالمات في البلدان الفتية المماثلة للمغرب. وقد شجع السلطان محمد الخامس من خلال مرافقة الأميرة للاعائشة له، النساء على التحرر، فاعتبرت الكثيرات من المتحررات واليساريات والمتحزبات المتأثرات بخطاب قاسم أمين، ذلك حدثا يؤرخ لقلب نظام القيم الأسرية العتيقة.

حضور لافت للمرأة في مجالات حيوية

من هذا المنطلق سجلت المرأة المغربية المعاصرة حضورها في العديد من المجالات الحيوية التنموية كالفلاحة والزراعة والإدارة العمومية والعدل والقانون والبحوث العلمية والفلك، ورفعت شعارات بصيغة المؤنث كالحرية والديمقراطية والمواطنة والعدالة، وأسست جمعيات وأثبتت  وجودها في التنظيم السياسي، عبرت عن هموم الواقع المجتمعي وعن أوضاعها الايجابية والسلبية عبر القنوات الفنية والأدبية والفكرية.
لقد شاركت المرأة المغربية الراهنة في كل المحطات النضالية منذ عهد الاستقلال إلى محطة المطالبة بمحاربة الفساد والاستبداد في الحراك الاجتماعي الذي ابتدأ مع حركة عشرين فبراير، فرفعت شعارات ضد الإقصاء  والإجحاف والحرمان الذي عانت منه المرأة المغربية، وطالبت بالكرامة والمساواة ومحارة البطالة والفقر والأمية والجهل والمساواة بين الجنسين في كل الحقوق والواجبات، لكن الملاحظ أنه رغم ما حققته المرأة من مكتسبات ومن حقوق عبر خطاب إرادة التغيير لديها كمدونة الأسرة وقانون الجنسية الخاص بالأبناء من الأم والنصوص الخاصة بتمتعها بالحرية الفردية والجماعية للتقدم للانتخابات، ورغم ما جاء بها الدستور الجديد من نصوص منصفة لحقها ، فإن الملاحظ هو تراجع وضعها المجتمعي وفتور الخطابات الرافعة والمثمنة لأدوارها ووظائفها المنتجة والفعالة في مختلف التخصصات، وتمييع صورتها إعلاميا وحصرها في المتع المختلفة الألوان والأشكال الشيء الذي لا يسيء إليها وحدها، بل يضر بهويتنا ووطنيتنا أيضا. وبغض النظر عن التراجعات الملاحظة على مستوى التمثيل السياسي في الاستحقاقات الأخيرة وتراجع عدد النساء المستوزرات من 5 إلى وزيرة واحدة  في عهد الحكومة الملتحية، فإن رهان المغرب الدخول إلى مصاف الدول الديمقراطية، والأخذ بأسباب الإصلاحات الكبرى يبقى متوقفا على رفع قيمة المرأة المغربية، خصوصا المرأة القروية، كأساس للتنمية البشرية وللتنشئة الاجتماعية الصالحة.

الهادي الهروي, أستاذ متخصص في العلوم الاجتماعية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق