حوادث

دراسة: دور المأة القاضية في تفعيل ورش إصلاح القضاء (2/2)

أنس سعدون
مسؤولية المرأة القاضية مماثلة لزميلها القاضي في الانخراط معا في ورش إصلاح القضاء

كانت المرأة المغربية سباقة لاعتلاء كرسي القضاء في العالم العربي، إذ عينت أول امرأة قاضية بالمغرب سنة 1961، واستطاعت منذ ذلك التاريخ أن تثبت كفاءتها وجدارتها في القيام بهذه المهمة الصعبة، وهو ما أهلها للتدرج في المسؤولية بالسلك القضائي.

إذا كان من السهل أن نتفهم هذه الخصوصية في توزيع الأعمال داخل المحاكم بالنظر إلى وجود اعتقاد مفاده أن المرأة القاضية أقدر على تفهم مشاكل النساء والأحداث، وتعطي مردودية أكثر بالانكباب على القضايا المدنية أو الاجتماعية، وهي الأقدر على استخدام ملكة الإنصات وتفعيل إجراءات الصلح..  إلا أن السؤال يطرح بخصوص إقصاء المرأة القاضية من التقرير في الملفات الجنائية والتلبسية وهي الملاحظة نفسها التي سجلتها القاضية الأستاذة بشرى العلوي، في مؤتمر «قصص نجاح: المرأة العربية في كرسي القضاء» الذي أقامته رابطة المرأة العربية بالتعاون مع جامعة الدول العربية بالقاهرة يومي 11 و 12 أبريل 2010.
وتجدر الإشارة إلى أن التبريرات التي تعطى لهذه المسألة تتعلق بمراعاة الظروف الاجتماعية للمرأة القاضية، إذ أن المناقشات في القضايا الجنائية والتلبسية عموما تستغرق وقتا طويلا، وقد تتأخر المداولات ووقت النطق بالحكم إلى فترات متأخرة من الليل، الشيء الذي قد يعرض المرأة القاضية لعدة مخاطر، فضلا عن انعكاسات ذلك على حياتها الخاصة والتزاماتها العائلية.
وبدون أن نناقش مدى صحة هذه التبريرات، نكتفي بالإشارة إلى أن القضاة عموما لا يستفيدون من أي حماية لهم سواء أثناء ممارسة عملهم، أو خارج أوقات عملهم، ولا أدل على ذلك من كثرة الاعتداءات التي يتعرض لها القضاة من الجنسين والتي تصل إلى حد التعنيف الجسدي، الشيء الذي يدق ناقوس الخطر لضرورة تجاوز هذا المشكل من خلال حلول جريئة وجذرية وفعالة، عوض الاكتفاء بإقصاء النساء القاضيات من البت في هذه القضايا تحت هذا المبرر.
أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بضعف الحضور النسوي في مناصب المسؤولية، إذ أن المرأة القاضية بالمغرب لا تصل إلى مراكز صنع القرار بسهولة، وهو ما تؤكده الأرقام الرسمية إذ لا توجد في الفترة الراهنة سوى مسؤولة واحدة على مستوى محاكم الاستئناف التجارية، و3 مسؤولات فقط على مستوى المحاكم التجارية وكلهن يترأسن جهاز النيابة العامة، إلى جانب مسؤولتين بالمحاكم الإدارية، وعدد محدود منهن فقط على مستوى المحاكم الابتدائية، وقد شهدت سنة 2011 حدث تعيين أول مديرة بالإدارة المركزية لوزارة العدل، وهو ما يطرح التساؤل بخصوص سبب ضعف فرص وصول المرأة القاضية إلى مراكز صنع القرار القضائي.
بل ويلاحظ أن الحضور المتزايد للمرأة المغربية في جهاز القضاء والذي مكنها من الفوز بثقة المواطنين، لم يواكبه حضور مماثل حتى على مستوى الأجهزة التمثيلية سيما المجلس الأعلى للقضاء –سابقا- فرغم إجراء 12 استحقاقا انتخابيا لم تنجح المرأة المغربية القاضية بالفوز بثقة زملائها من القضاة بل وحتى زميلاتها القاضيات رغم أنهن أصبحن يمثلن نسبة مهمة ومتزايدة، وهو ما يطرح إشكالات عديدة بخصوص السبب المباشر وراء هذا الغياب أو التغييب، وما إذا كان يكمن في أن المرأة القاضية غير متحمسة لمثل هذا المنصب، أو أن زملاءها من القضاة غير واثقين من إمكانياتها وكفاءتها في الاضطلاع بمهمة عضوية هذه المؤسسة الدستورية الساهرة على تدبير الضمانات المخولة للقضاة.
وما يزكي طرح مثل هذه التساؤلات هو أن نسبة النساء اللواتي ترشحن للعضوية بالمجلس المذكور وعلى امتداد حوالي نصف قرن من الزمان تبقى ضئيلة جدا، ربما بسبب اقتناع أغلبية القاضيات بصعوبة مقاومة الثقافة الذكورية المحافظة السائدة بالجهاز، أو غياب المحفزات التي تجعلهن يقدمن على تجربة الترشيح خاصة وأن طريقة اشتغال المجلس الأعلى للقضاء في ظل الدستور المعدل، لم تكن خاضعة لمعايير واضحة أو دقيقة بخصوص الضمانات المخولة للقضاة والقاضيات سيما ما يتعلق بالتعيينات وتوزيع المسؤوليات والترقيات .
ويلاحظ أن الغياب نفسه للعنصر النسوي القضائي امتد لأجهزة الودادية الحسنية للقضاة التي ظلت ولفترة طويلة الإطار الجمعوي الوحيد المؤطر للقضاة، إذ لم تصل المرأة القاضية إلى مكتبها المركزي إلا مؤخرا سنة 2010 حينما تم انتخاب امرأتين في سابقة اعتبرت تحولا نوعيا في تركيبة الودادية.
ولعل مثل هذا التغييب لدور المرأة القضائية في مراكز صنع القرار هو الذي دفع المشرع بعد تعديل 2011 لتطبيق أسلوب الكوطا لضمان تمثيلية مشرفة للمرأة القاضية في المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وفي الأخير لا بد من الاعتراف بأن وجود المرأة المغربية بجهاز القضاء أعطى صورة مشرفة لها، وللمرأة المغربية عموما إذ أبان عن قدراتها على القيام بمهامها بكل تجرد وحياد ونزاهة، وأكد بأن تحمل مهمة القضاء ليس رهينا بجنس معين، وإنما بمواصفات وقدرات خاصة تؤهل كل من توفرت فيه للقيام بهذه الوظيفة الحساسة بغض النظر عن نوعه الاجتماعي.
لذا فإن مسؤولية المرأة القاضية تبقى مماثلة لزميلها القاضي إذ يعول عليهما الانخراط معا في ورش إصلاح القضاء، باعتبارهما عنصرا فعالا في هذا الورش الكبير، وهو ما أبانت عنه في عدة مناسبات إذ يكفي أن نستحضر في الأخير تجربة المرأة القاضية من خلال نادي قضاة المغرب أول جمعية مهنية تولد في ظل الدستور الجديد، فالمرأة القاضية كانت حاضرة في كل محطاتها بدءا من الجمع العام التأسيسي ليوم 20/08/2011، إذ لم يحل المنع الذي تعرض له هذا الجمع من توافد النساء القاضيات ووقوفهن جنبا إلى جنب مع زملائهن من القضاة، والانخراط في عملية انتخاب الأجهزة المركزية ثم الجهوية في جميع مراحلها، وتحقيقهن نتائج مهمة على مستوى التمثيلية النسائية، إذ فازت قاضيتان بمنصب رئيس مكتب جهوي بكل من الدائرتين الاستئنافيتين لتطوان ومكناس، كما تمكنت العديد من النساء القاضيات من الوصول إلى عضوية المكاتب الجهوية،  بالرغم من حداثة تجربة نادي قضاة المغرب، وبالرغم أيضا من أن نظامه الأساسي لم يتبن أسلوب الكوطا النسائية.
ويبقى حدث التعديل الدستوري الجديد لسنة 2011 الذي ارتقى بالقضاء إلى مستوى سلطة مستقلة واعترف للقضاة بحقهم في التعبير والانخراط في جمعيات مهنية للدفاع عن حقوقهم، فرصة لتفعيل تجربة المرأة القاضية بالمغرب خاصة مع قرب صدور مجموعة من القوانين التي تهم السلطة القضائية ومن بينها النظام الأساسي الذي نتمنى أن يتغير اسمه من « النظام الأساسي لرجال القضاء» إلى نظام أساسي للقضاة أو للسلطة القضائية، على اعتبار أن هذه التسمية الحالية تقصي وتتجاهل دور المرأة القاضية وتجعلها وكأنها غير معنية بهذا القانون.

بقلم:  ذ أنس سعدون, عضو نادي قضاة المغرب بأزيلال

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق