القضاء المستقل أداة جبارة لتحقيق العدالة وضمان تطبيقها وترسيخ قواعدها سمي قاض لأنه يفصل الخصومات ويقطع المنازعات في رحلته مع التقدير الجيد للوقائع وتفهمه الواعي للقانون ببذل الجهد والتقصي بغية الوصول إلى الحقيقة. يصنع الحيثيات ويبدع ويسافر معها مستنيرا بصوت ضميره والحق والقانون، بدأ رحلته مع حيثياته كمحطة مهمة في حياته يوم أدائه القسم المهني بالقاعة رقم 1 بمحكمة الاستئناف. ( أقسم بالله العظيم أن أقوم بمهامي بوفاء وإخلاص وأن أحافظ كل المحافظة على سر المداولات وأسلك في ذلك كله مسلك القاضي النزيه المخلص ) حينها أحس بشيء يثقل كاهله ويقض مضجعه استحضر قول الله تعالى في كتابه العزيز ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) صدق الله العظيم. خفف عنه هول ثقل الأمانة قول الرسول ( ص) ( أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر – إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي وعسى أن يكون بعضكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء فكأنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو يتركها )وفي رحلته من دون أن يفهم أحس فقط ونطق باستقلال القضاء والسلطة القضائية المستقلة.ولأن هاجس المحاكمة العادلة حيره كما حير العالم في مدلوله وأبعاده وقيمته وتطبيقاته. وفي خضم البحث عن معنى السلطة القضائية المستقلة التقى بمونتسيكيو فتذكر كتابه روح القوانين فأخبره ( أن العدالة تقوم على الفصل بين السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية ) سألني ما معنى السلطة القضائية المستقلة فكانت صدمة اللقاء بمونتسيكيو وصدمة السؤال وصدمة الجواب في خضم الكل ينادي فيه بمحاربة الفساد.سيدي إنه السؤال نفسه الذي في محطة من محطات حياتي المهنية دفعني لركوب مركب الودادية الحسنية للقضاة، التي وضعت مدونة القيم القضائية النابعة من إرادة القضاة لإقرار المبادئ التالية تكريسا للمعنى ذاته للسلطة القضائية المستقلة الاستقلال – النزاهة – التجرد والحياد – المساواة – الشجاعة الأدبية – الوقار والتحفظ – الكفاءة – السلوك القضائي – اللياقة – التضامن.قلت هل تقصد فصل السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ؟ أم تقصد ميكانيزمات السلطة القضائية ومحركها المحوري القاضي المستقل النزيه الذي لضمان محاكمة عادلة للمتقاضين لا يحكم بناء على التعليمات أو الأوامر؟قال مونتسيكيو أخبرني عنهما معا قلت يا سيدي إن محاكمنا غير محاكمكم وزماننا غير زمانكم في ظل إكراهات ومعيقات حددتها طبيعة الخصوصيات المجتمعية لبلادنا قال مونتسيكيو أفصح وانطلق لساني من عقاله يقول رموز السلطة القضائية المستقلة: السادة القضاة أيها الحضور الكريم لقد كان لبلادنا الشجاعة الأدبية للجهر بحقيقة مسلمة أنها لم توفق في بناء قضائها على الأسس الصحيحة لأجله ولأن الحرية والكرامة للمواطن الضامن لها هو القضاء والمدخل لذلك هو السلطة القضائية. ارتقى الدستور الجديد بالقضاء إلى سلطة قضائية وأكثر من ذلك سلطة قضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والتنفيذية من خلال الباب السابع من الدستور والفصول من 107 إلى 128 تم من خلالها وضع آليات دستورية من أجل ضمان استقلال السلطة القضائية والقاضي للإقلاع بمؤسسة القضاء. كما اتسعت وتنوعت تشكيلة واختصاصات مهام المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاء وإصدار التوصيات حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة والآراء حول سير القضاء .ولأن مضامين الدستور جاءت لحماية المتقاضين وخلق قضاء قريب من المواطن وفي خدمته.وتفعيلا لذلك شرعت حكومتنا في تنزيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية بما يضمن تعزيز استقلال القضاء ورفع فعاليته كما وكيفا، عن طريق خلق القضاء الفردي في بعض القضايا التي يبت فيها عن طريق القضاء الجماعي وصيانة حرمة ووقار القضاء وخلق برامج تأهيل الهياكل القضائية والإدارية ومواردها البشرية، وترسيخ التخليق، وجعل القضاء في خدمة المواطن انطلاقا من قضاء القرب لدعم ضمانات المحاكمة العادلة وتحقيق فعالية ونجاعة القضاء وقربه، وتبسيط المساطر والإجراءات القضائية وتوحيدها ولتسهيل ولوج المتقاضين إلى المحاكم لتوفير الضمانات للمحاكمة العادلة ظهرت إرهاصات توحي بتعديلات جديدة في طريقها إلينا من خلال مشروع منهجية الحوار الوطني من أجل إصلاح العدالة الذي وضعته وزارة العدل والحريات ولتقوية الرقابة لمكافحة الفساد والرشوة صدر بالجريدة الرسمية عدد 5988 قانون يتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية فيما يخص حماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين عن جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيرهاسيدي مونتسيكيو أنا القاضي المواطنإن حبي لوطني واعتزازي بالجهاز الذي أنتمي إليه ولضمان قضاء قريب من المواطن وفي خدمته يقتضي القول. إن إصلاح القضاء وتحويله إلى سلطة مستقلة عن باقي السلط وتمتع قضاته بالاستقلالية وعدم خضوعهم للتعليمات ( الفصل 109 من الدستور الجديد وضمان المحاكمة العادلة مرتبط بالتالي :اولا:تحسين الوضعية المادية للقضاة والمؤسسة على الخطاب الملكي ل 20 غشت 2009 .ذلك أن تحسين رواتب القضاة لا يمكن أن نفهمه وأن نحس به إلا من خلال معرفة الأجور الهزيلة التي يتقاضاها قضاة الدرجة الثانية والثالثة حيث لا تتجاوز 8900 درهم شهريا طيلة ثماني سنوات أو عشر من العمل في هذه الدرجات والأدهى من ذلك أن فئة الدرجة الثانية والثالثة تشكل في المغرب ثلث القضاة الشباب أي حوالي 4000 قاض في المملكة . ثانيا :الإسراع بإصدار القوانين التنظيمية وإعادة النظر في القانون الأساسي لرجال القضاء حتى يتماشى مع مضامين الدستور وكذا القوانين المتعلقة بمساعدي القضاء، قانون المحاماة، قانون المفوضين القضائيين . ثالثا :تمكين المجلس الأعلى للسلطة القضائية من الاستقلالية المادية والمعنوية وتفعيل ذلك على أرض الواقع.رابعا:تحديث المحاكم والعناية ببنيها التحتية خامسا :يقال القضاء صناعة، صحيح هو صناعة، كم من مسؤولين بحكم تجاربهم وحنكتهم وضعوا خططا عملية ناجعة للرفع من مستوى القضاء كما وكيفا , وكم من قضاة سافروا مع تعليلاتهم وأبدعوا وصنعوا أحكاما لماذا لا يتم تحفيزهم ماديا ومعنويا ؟ ؟ ؟ عن طريق صرف علاوات سنوية والرفع من مستوى الأجور، وإشراكهم في إصدار القرارات ومنح الأوسمة، وإعطاء الألقاب، بشكل يضمن استمرارية هذه الحوافز لخلق جو من الطمأنينة في نفوس القضاة حتى تكون الحوافز فعالة وتعزف على الوتر المطلوب لشدهم نحو العمل أكثر والإبداع والابتكار، إن القضاة ليسوا أقل تعبا من المواطن .أتم القاضي التائه وسط الحيثيات كلمته ولكنه لم يجد مونتيسكيو ولكن وجد سيفا معلقا في هيأة قلم أخرجه من غمده فإذا هو مكتوب على نصله القضاء المستقل هو أداة جبارة لتحقيق العدالة وضمان تطبيقها وترسيخ قواعدها في المجتمع، حمله وبدأ يتأمل بريقه وسمع صوتا آتيا من بعيد يشبه صوت مونتيسكيو يقول حقا استقلال القاضي ليس امتيازا له، بل ضمانة للمتقاضي في الحصول على محاكمة عادلة، فأرجو أن يتقلد الجميع هذا السيف . بقلم: رشيدة البربوشي, نائبة رئيس المكتب الجهوي للودادية الحسنية للقضاة لجهة طنجة – تطوان