fbpx
دوليات

معركة الرئاسة في مصر… الطموح الشخصي وحسابات السياسة

الأحزاب السياسية المصرية  تحركها نوايا ودوافع مختلفة

 

بقلم: د. حسن نافعة
بدأ، أخيرا، فتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة. وتشير تقارير صحافية إلى أن عدد «المرشحين المحتملين» بلغ حتى الآن 54 شخصا، بعضهم كان أفصح عن رغبته وبدأ حملته الانتخابية بالفعل منذ شهور طويلة، أما البعض الآخر فلم يفصح عن ذلك إلا منذ أيام قليلة. ولأن باب الترشح المفتوح الآن لن يغلق قبل يوم 8 إبريل المقبل، فليس من المستبعد ظهور مرشحين جدد، لم يسمع بهم أحد من قبل، خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ولأن من حق كل مواطن يجد في نفسه الكفاءة، وتتوافر فيه جميع شروط الترشح للرئاسة، أن يعتبر نفسه الأقدر على القيام بمهام رئيس الدولة، فمن الطبيعي في دولة بحجم مصر أن يتقدم عدد كبير من المواطنين للمنافسة على شغل هذا الموقع السياسي الخطير.
غير أن العبرة في النهاية ليست في الكيفية التي يرى بها «المرشح المحتمل» نفسه وإنما في رؤية الناخبين له، وتلك عملية تحكمها حسابات سياسية معقدة يتعين أخذها في الاعتبار. فلكي يتحول «المرشح المحتمل» إلى «مرشح فعلي» عليه أن يكون: 1- مرشحا رسميا لحزب حصل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على مقعد واحد على الأقل في أي من مجلسي الشعب أو الشورى، أو: 2- مدعوما من جانب ثلاثين نائبا منتخبا في مجلسي الشعب والشورى، أو: 3- حاصلا على توكيلات رسمية موثقة في الشهر العقاري من ثلاثين ألف مواطن من محافظات مختلفة.
فإذا ما ألقينا نظرة على «المرشحين المحتملين» من منظور هذه الحسابات فسوف نفاجأ بالحقائق التالية: 1- لا يوجد سوى مرشح واحد، هو حمدين صباحي، يمكنه بسهولة أن يصبح مرشحا فعليا إذا ما أعلن «حزب الكرامة» ترشيحه. 2- لم يعلن أي من الأحزاب والقوى السياسية الممثلة في البرلمان، وعددها 23 حزبا بما فيها حزب الكرامة، عن أي مرشح رسمي لخوض انتخابات الرئاسة باسمها أو تحت مظلتها. 3- «حزب الوفد» هو الحزب الوحيد من بين الأحزاب الممثلة في البرلمان الذي أعلن رسميا تأييده لأحد المرشحين المحتملين، وهو منصور حسن، لكن يبدو أن هذا الأمر لم يحسم نهائيا بعد داخل الحزب ومازال يثير جدلا. فماذا تعني هذه الحقائق الثلاث؟
تعني ببساطة أن على جميع «المرشحين المحتملين»، تقريبا، الحصول إما على تأييد 30 نائبا منتخبا في البرلمان أو 30 ألف مواطن من محافظات مختلفة، وهو أمر لن يكون ميسورا إلا بالنسبة إلى عدد محدود جدا من الراغبين في الترشح لا يتعدى أصابع اليد الواحدة. ولأن قدرة أي مرشح مستقل على الحصول على تأييد ثلاثين نائبا تبدو، من الناحية النظرية على الأقل، أسهل نسبيا من قدرته على الحصول على تأييد ثلاثين ألف مواطن مستعد للذهاب إلى الشهر العقاري للتصديق على صحة توقيعه، فسوف تشهد الأسابيع القادمة صراعا محموما للحصول على تأييد النواب، وهو ما سيتيح أمام الأحزاب صاحبة التمثيل الأقوى في البرلمان فرصة ذهبية للتحكم في أعداد ونوعيات المرشحين.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى في الانتخابات الرئاسية الأهم في تاريخ مصر الحديث، فإحجام الأحزاب الكبيرة عن طرح مرشحين من كوادرها لخوض الانتخابات الرئاسية الأهم في تاريخ مصر الحديث يمكن تفسيره بواحد من سببين، أو بكليهما معا.
السبب الأول: افتقار هذه الأحزاب إلى قيادات سياسية مؤهلة لشغل المنصب الرئاسي، والسبب الثاني: عدم مواءمة طرح مرشح حزبي في ظل أوضاع تتسم بعدم اليقين، نتيجة لسوء إدارة المرحلة الانتقالية التي أدخلت البلاد كلها في متاهة لم تعد تعرف كيف تخرج منها. لذا يبدو واضحا أن معظم الأحزاب الكبيرة تفضل رئيسا غير حزبي يمكنه تحمل مسؤولية النهوض بأعباء المرحلة الراهنة دون أن يكون محسوبا على حزب بعينه، حتى لا يحمل وحده وزر الفشل المتوقع أو مسؤولية البحث عن حلول لأزمات تبدو مستعصية. وأيا كان السبب الحقيقي لهذا الإحجام، فمن المتوقع أن تصبح لغة الصفقات السياسية هي سيدة الموقف. لكن من هي الأطراف المرشحة لعقد مثل هذه الصفقات؟ وعلى أي نوع من الحسابات السياسية يمكن أن تبنى؟
لفهم ما يجرى حاليا خلف كواليس السياسة في مصر، علينا أن نميز بين نوعين من الصفقات المحتملة في المرحلة الراهنة:
النوع الأول: صفقة تبرمها الفصائل المختلفة لتيار الإسلام السياسي في ما بينها. ولأن هذه الفصائل تسيطر مجتمعة على الأغلبية الساحقة من مقاعد البرلمان، فمن المتوقع أن تلعب دورا حاسما في اختيار رئيس مصر القادم إذا ما توحدت حول مرشح تصطف خلفه. غير أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفا في ظل إصرار التيار السلفي على ضرورة أن يكون الرئيس «التوافقي» «إسلاميا»، خصوصا أن جماعة الإخوان المسلمين، وهي الفصيل الأنضج سياسيا، تدرك جيدا أن سيطرة التيار الإسلامي على النظام السياسي المصري، بسلطتيه التشريعية والتنفيذية، محفوفة بمخاطر داخلية وخارجية جمة من الأفضل تجنبها. ومع ذلك فليس من المستبعد عثور هذا التيار على شخصية توافقية مستقلة، من نوع المستشار الغرياني، تصطف حولها، وهو ما روجت له بعض الشخصيات السلفية أخيرا.
النوع الثاني: صفقة تبرم بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، من ناحية، وأطراف سياسية أخرى، حول مرشح توافقي يمكن أن يحظى بقبول المؤسسة العسكرية. وبعد إقدام منصور حسن على الإعلان رسميا عن نيته خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومسارعة «حزب الوفد» بإعلان تأييده لهذه الخطوة، يبدو أن هذه الصفقة لم تعد مجرد تكهنات وأصبحت أمرا واقعا بالفعل. ولأن فرص نجاح صفقة من هذا النوع تبدو محدودة بدون دعم واضح من جانب جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما لم يحدث حتى الآن، فسوف تظهر الأيام والأسابيع المقبلة موقف جماعة الإخوان منها. فقد تلحق الموافقة عليها ضررا سياسيا كبيرا بها على المدى الطويل، خصوصا أن مرشحها لا يمكن إلا أن يكون مجرد واجهة تضمن استمرار سيطرة المؤسسة على الحكم من وراء ستار.
عن موقع (المصري اليوم)

بدأ، أخيرا، فتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة. وتشير تقارير صحافية إلى أن عدد «المرشحين المحتملين» بلغ حتى الآن 54 شخصا، بعضهم كان أفصح عن رغبته وبدأ حملته الانتخابية بالفعل منذ شهور طويلة، أما البعض الآخر فلم يفصح عن ذلك إلا منذ أيام قليلة. ولأن باب الترشح المفتوح الآن لن يغلق قبل يوم 8 إبريل المقبل، فليس من

 المستبعد ظهور مرشحين جدد، لم يسمع بهم أحد من قبل، خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ولأن من حق كل مواطن يجد في نفسه الكفاءة، وتتوافر فيه جميع شروط الترشح للرئاسة، أن يعتبر نفسه الأقدر على القيام بمهام رئيس الدولة، فمن الطبيعي في دولة بحجم مصر أن يتقدم عدد كبير من المواطنين للمنافسة على شغل هذا الموقع السياسي الخطير.غير أن العبرة في النهاية ليست في الكيفية التي يرى بها «المرشح المحتمل» نفسه وإنما في رؤية الناخبين له، وتلك عملية تحكمها حسابات سياسية معقدة يتعين أخذها في الاعتبار. فلكي يتحول «المرشح المحتمل» إلى «مرشح فعلي» عليه أن يكون: 1- مرشحا رسميا لحزب حصل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على مقعد واحد على الأقل في أي من مجلسي الشعب أو الشورى، أو: 2- مدعوما من جانب ثلاثين نائبا منتخبا في مجلسي الشعب والشورى، أو: 3- حاصلا على توكيلات رسمية موثقة في الشهر العقاري من ثلاثين ألف مواطن من محافظات مختلفة.فإذا ما ألقينا نظرة على «المرشحين المحتملين» من منظور هذه الحسابات فسوف نفاجأ بالحقائق التالية: 1- لا يوجد سوى مرشح واحد، هو حمدين صباحي، يمكنه بسهولة أن يصبح مرشحا فعليا إذا ما أعلن «حزب الكرامة» ترشيحه. 2- لم يعلن أي من الأحزاب والقوى السياسية الممثلة في البرلمان، وعددها 23 حزبا بما فيها حزب الكرامة، عن أي مرشح رسمي لخوض انتخابات الرئاسة باسمها أو تحت مظلتها. 3- «حزب الوفد» هو الحزب الوحيد من بين الأحزاب الممثلة في البرلمان الذي أعلن رسميا تأييده لأحد المرشحين المحتملين، وهو منصور حسن، لكن يبدو أن هذا الأمر لم يحسم نهائيا بعد داخل الحزب ومازال يثير جدلا. فماذا تعني هذه الحقائق الثلاث؟تعني ببساطة أن على جميع «المرشحين المحتملين»، تقريبا، الحصول إما على تأييد 30 نائبا منتخبا في البرلمان أو 30 ألف مواطن من محافظات مختلفة، وهو أمر لن يكون ميسورا إلا بالنسبة إلى عدد محدود جدا من الراغبين في الترشح لا يتعدى أصابع اليد الواحدة. ولأن قدرة أي مرشح مستقل على الحصول على تأييد ثلاثين نائبا تبدو، من الناحية النظرية على الأقل، أسهل نسبيا من قدرته على الحصول على تأييد ثلاثين ألف مواطن مستعد للذهاب إلى الشهر العقاري للتصديق على صحة توقيعه، فسوف تشهد الأسابيع القادمة صراعا محموما للحصول على تأييد النواب، وهو ما سيتيح أمام الأحزاب صاحبة التمثيل الأقوى في البرلمان فرصة ذهبية للتحكم في أعداد ونوعيات المرشحين. وهنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى في الانتخابات الرئاسية الأهم في تاريخ مصر الحديث، فإحجام الأحزاب الكبيرة عن طرح مرشحين من كوادرها لخوض الانتخابات الرئاسية الأهم في تاريخ مصر الحديث يمكن تفسيره بواحد من سببين، أو بكليهما معا. السبب الأول: افتقار هذه الأحزاب إلى قيادات سياسية مؤهلة لشغل المنصب الرئاسي، والسبب الثاني: عدم مواءمة طرح مرشح حزبي في ظل أوضاع تتسم بعدم اليقين، نتيجة لسوء إدارة المرحلة الانتقالية التي أدخلت البلاد كلها في متاهة لم تعد تعرف كيف تخرج منها. لذا يبدو واضحا أن معظم الأحزاب الكبيرة تفضل رئيسا غير حزبي يمكنه تحمل مسؤولية النهوض بأعباء المرحلة الراهنة دون أن يكون محسوبا على حزب بعينه، حتى لا يحمل وحده وزر الفشل المتوقع أو مسؤولية البحث عن حلول لأزمات تبدو مستعصية. وأيا كان السبب الحقيقي لهذا الإحجام، فمن المتوقع أن تصبح لغة الصفقات السياسية هي سيدة الموقف. لكن من هي الأطراف المرشحة لعقد مثل هذه الصفقات؟ وعلى أي نوع من الحسابات السياسية يمكن أن تبنى؟لفهم ما يجرى حاليا خلف كواليس السياسة في مصر، علينا أن نميز بين نوعين من الصفقات المحتملة في المرحلة الراهنة:النوع الأول: صفقة تبرمها الفصائل المختلفة لتيار الإسلام السياسي في ما بينها. ولأن هذه الفصائل تسيطر مجتمعة على الأغلبية الساحقة من مقاعد البرلمان، فمن المتوقع أن تلعب دورا حاسما في اختيار رئيس مصر القادم إذا ما توحدت حول مرشح تصطف خلفه. غير أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفا في ظل إصرار التيار السلفي على ضرورة أن يكون الرئيس «التوافقي» «إسلاميا»، خصوصا أن جماعة الإخوان المسلمين، وهي الفصيل الأنضج سياسيا، تدرك جيدا أن سيطرة التيار الإسلامي على النظام السياسي المصري، بسلطتيه التشريعية والتنفيذية، محفوفة بمخاطر داخلية وخارجية جمة من الأفضل تجنبها. ومع ذلك فليس من المستبعد عثور هذا التيار على شخصية توافقية مستقلة، من نوع المستشار الغرياني، تصطف حولها، وهو ما روجت له بعض الشخصيات السلفية أخيرا.النوع الثاني: صفقة تبرم بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، من ناحية، وأطراف سياسية أخرى، حول مرشح توافقي يمكن أن يحظى بقبول المؤسسة العسكرية. وبعد إقدام منصور حسن على الإعلان رسميا عن نيته خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومسارعة «حزب الوفد» بإعلان تأييده لهذه الخطوة، يبدو أن هذه الصفقة لم تعد مجرد تكهنات وأصبحت أمرا واقعا بالفعل. ولأن فرص نجاح صفقة من هذا النوع تبدو محدودة بدون دعم واضح من جانب جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما لم يحدث حتى الآن، فسوف تظهر الأيام والأسابيع المقبلة موقف جماعة الإخوان منها. فقد تلحق الموافقة عليها ضررا سياسيا كبيرا بها على المدى الطويل، خصوصا أن مرشحها لا يمكن إلا أن يكون مجرد واجهة تضمن استمرار سيطرة المؤسسة على الحكم من وراء ستار.

 

بقلم: د. حسن نافعة    

 عن موقع (المصري اليوم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق