fbpx
الصباح السياسي

خطـاب العـدالة التنميـة مزدوج

خطـاب العـدالة التنميـة مزدوج
لكحل المتخصص في الحركات الإسلامية قال إن بنكيران أدرك أن  مناهضة المهرجانات لا يمكن أن تكون شعار حزب يقود الحكومة

لكحل المتخصص في الحركات الإسلامية قال إن بنكيران أدرك أن  مناهضة

سعيد لكحل
المهرجانات لا يمكن أن تكون شعار حزب يقود الحكومة

أكد الباحث سعيد الكحل أن التباين الملاحظ بين مواقف وزراء ومسؤولين في العدالة والتنمية  مرده إلى الواقعية السياسية التي اضطر الحزب إلى اعتمادها بفعل قوة الأشياء، بعد انتقاله من موقع المعارضة، الذي كان يسمح له بمناهضة تنظيم مثل هذه

 المهرجانات والتعبير عن قناعاته بكل حرية، إلى موقع المسؤولية الحكومية التي تفرض عليه أن يكون في خدمة كل المغاربة، وليس فقط أعضاء الحزب.وأوضح الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية 

 

أن عدم التمييز والفصل بين العضوية في الحزب وحركة الإصلاح والتوحيد هو الذي جعل لسان بعض هؤلاء الوزراء ينطق الإيديولوجيا وليس السياسة. في ما يلي نص الحوار:

 

ظهرت، في الفترة الأخيرة، تصريحات متناقضة لقياديين ووزراء في حزب العدالة والتنمية، تنتقد  بعضها تنظيم المهرجانات الفنية، فيما تؤكد أخرى أن لا نية للحكومة في تقليص دائرة تنظيمها، كيف تُقيمون هذه المسألة، وهل يمكن اعتبار الخرجات الإعلامية لبعض الوزراء، مؤشرا على وقوع تراجع في هذا المجال؟

بالفعل سيلاحظ المتتبع لتصريحات الوزراء المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية المتعلقة بالمهرجانات الفنية وجود تباين قد يُفهم منه أن الحزب يعرف ديناميكية داخلية على مستوى القناعات والمواقف من المهرجانات الفنية، جعلته يتراجع عن مناهضتها، بينما الواقع خلاف هذا.

إن التباين الملاحظ بين مواقف الوزراء مرده إلى أمرين أساسيين: أولهما يرجع إلى الواقعية السياسية التي اضطر الحزب إلى اعتمادها بفعل قوة الأشياء، فالحزب انتقل من موقع المعارضة، الذي كان يسمح له بمناهضة تنظيم مثل هذه المهرجانات والتعبير عن قناعاته بكل حرية، انتقل إلى موقع المسؤولية الحكومية التي تفرض عليه أن يكون في خدمة كل المغاربة، وليس فقط أعضاء الحزب . 

ومن يوجد في موقع المسؤولية الحكومية عليه أن يجعل أولويات الشعب هي أولوياته. والشعب المغربي ينتظر من حزب العدالة والتنمية أن يجد حلولا للمشاكل التي تؤرق المواطنين في مجال الشغل والتعليم والتطبيب والكرامة. وهذه أمور لم تغب عن بنكيران وهو يقود الحكومة، بل استحضرها وذكّر بها وزراءه الذين وجدهم في كل واد يهيمون وقد تركوا مصالح الناس معطلة ومشاكلهم معلقة. واسمح لي أن أذكرك بالواقعية السياسية كما جاءت على لسان رئيس الحكومة عبد الإله  بنكيران في حوار له ليومية مغربية، إذ قال ( أعتقد أن للحكومة أولويات لا يجب أن يتم التشويش عليها، ويجب على الوزراء أن ينتبهوا إلى تصريحاتهم، وأن يجنبونا تشويشا نحن في غنى عنه. هناك أولويات أكبر وأعظم، فالمهرجان يمر كل سنة، ونحن أتينا لتصحيح الأوضاع ذات الأولوية في الإصلاح، وليس المهرجانات) . لقد أدرك السيد بنكيران أن مناهضة المهرجانات، إذا كانت شعارا رفعه الحزب حين مارس المعارضة ، فإنها لم تعد شعارا ولا سياسة لحزب يقود الحكومة من أجل خدمة الشعب بكل فئاته وأذواقه . ولا يمكن للحزب أن يضع نفسه في مواجهة جمهور واسع وعريض يتابع المهرجانات ويستمتع بفقراتها. والواقعية السياسية تقتضي احترام التنوع الفني والثقافي الذي يميز المغرب. وهذا ما انتبه إليه السيد بنكيران، باعتباره مسئولا حكوميا، وليس أمين عام الحزب حين واجه الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أو إخفاؤها، حيث قال ( لو كان الشعب لا يريد موازين لما توجه إليه أحد، فهذا المهرجان له جمهور يتابعه ويحضر أنشطته بالآلاف. كما أن هناك آلافا آخرين من المواطنين غير متفقين على انعقاد هذا المهرجان، وهذا هو واقع التنوع بالمغرب، إذ لكل وجهة نظره، وله الحرية في التعبير عنها بمسؤولية). أما العامل الثاني الذي يكمن وراء التباين في تصريحات وزراء حزب العدالة والتنمية، فيتعلق بعدم قدرة هؤلاء التحرر من تأثير حركة التوحيد والإصلاح على تفكيرهم ومواقفهم . لقد استشكل الأمر عليهم، فحاولوا تمرير مواقف حركتهم الدعوية من داخل الحكومة ومن موقع المسؤولية الوزارية . إنهم لم ينزعوا عنهم، بعدُ، العضوية في  الحركة، حتى وهم أعضاء في الحكومة، بل سعوا لتكون الحكومة تحت هيمنة الحركة . لقد نسي هؤلاء الوزراء أنهم أعضاء في حكومة سياسية هي حكومة صاحب الجلالة، وليسوا أعضاء في حركة دعوية هي حركة التوحيد والإصلاح . إن عدم التمييز والفصل بين العضويتين هو الذي جعل لسان هؤلاء الوزراء ينطق الإيديولوجيا  وليس السياسة.  

تأسيسا على السؤال الأول، هل يمكن القول إن حرية التعبير والإبداع (الفن، المسرح، السينما، الكتابات الإبداعية، إجمالا) أصبحت مهددة أمام خطر الرقابة؟  

لحسن حظنا، في المغرب، أننا نعيش الإصلاح من داخل النظام وليس في قطيعة معه. وميزة وضعنا هذا أن الإصلاح ليس مفتوحا على المجهول  ولا هو مغامرة ، بل الإصلاح هو استكمال للبناء وتحصين للمكتسبات، وآية ذلك أن الشعوب التي عصفت ثوراتها بالأنظمة السياسية أيديها على قلوبها خوفا من الآتي/المجهول، في ظل صعود التيارات الدينية وحصولها على الأغلبية المقرّرة . بينما المغرب خارج هذا الاحتمال لما يتوفر عليه من مؤسسات تضمن له الاستقرار، والحفاظ على المكتسبات الحقوقية والسياسية والثقافية.   وهاهي محاكم مصر «الثورة» تشهد مهازل لم تشهدها على عهد نظام مبارك ، حين أصدرت حكمها بالسجن ثلاثة أشهر على عادل إمام  . بل الانحطاط الذي تعيشه مصر «الثورة» اليوم شجع شيوخ الظلام على رفع دعوى أمام المحكمة يطالبونها فيها بتطبيق عقوبة الرجم ضد سمية الخشاب. لا يمكن للمغرب أن يقبل بهذه المهازل ولا أن ينزل إلى هذا الدرك الأسفل من الانحطاط الحضاري.  من هذا المنطلق ، لا يساورني أي خوف على هذه المكتسبات الفنية والإبداعية والثقافية  لسببين رئيسيين : أولهما يتمثل في بنود الدستور التي أقرت بسمو المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان ، فضلا عن الدور الدستوري الذي يضطلع به الملك كضامن للمؤسسات وكأمير للمؤمنين يحمي الدين من كل احتكار. إذن المنافذ التي قد يدخل منها الريح تم إغلاقها في وجه القوى التي قد تهدد الخيار الديمقراطي والحداثي للمجتمع المغربي . أما السبب الثاني فيتمثل في يقظة المجتمع المغربي وحيوية هيئاته المدنية ، بحيث لا يمكن لأي جهة، مهما كانت أن تعاكس إرادة الشعب ورغبته في ممارسة حرياته الفكرية والفنية والثقافية . فالمغاربة لم يعهدوا الفكر الوحيد ولا الذوق الأوحد على مر تاريخهم . فطبيعة الشخصية المغربية تقبل التنوع وتأبى التنميط والتحنيط . وها نحن نرى كيف تصدى المغاربة بهيئاتهم العلمية والحقوقية لفتوى زواج القاصرات ولغيرها من فتاوى البداوة والتشدد كتلك المتعلقة بتحريم الاختلاط أو الفنون أو غيرهما من فتاوى فقه البداوة . ولطالما وظف الإسلاميون المساجد  لتحريم الذهاب إلى الشواطئ أو حضور المهرجانات ، لكن للمواطنين رأيهم وقرارهم .  

كيف تقيمون تعامل الحكومة مع الاحتجاجات وحرية التظاهر؟

الحديث عن تعامل الحكومة مع الاحتجاجات يقود بالضرورة إلى الحديث عن الواقعية السياسية . فطالما ندد حزب العدالة والتنمية بالطريقة التي تعاملت بها الحكومات السابقة مع الاحتجاجات، وندد بالتدخلات العنيفة ضد المعطلين والمعتصمين. وحين تولى قيادة الحكومة، وجد نفسه في مواجهة أطراف كان السند الرئيسي لها من قبل في مواجهتها للدولة، وأخص بالذكر جماعة العدل والإحسان والسلفية الجهادية والعاطلين. إن موقع المعارضة اقتضى من الحزب أن يتخذ من عدو عدوه حليفا له، لكنه حين صار في موقع المسؤولية غير من التكتيك وفق ما تقتضيه الواقعية السياسية وما يستوجبه النهج البرغماتي الذي يسير عليه الحزب. 

إن رئيس الحكومة أعلن أكثر من مرة أن الاحتجاج والتظاهر ليسا عملية فوضوية تغلق الشارع العام وتمنع التجار من الكسب، وتحرق سيارات الشرطة وتحتل البنايات العامة وتعطل مصالح المواطنين، مما يعني أن استعمال القوة ضد المحتجين إنما يكون بهدف منع الفوضى وعرقلة الشارع العام . 

أجرى الحوار: جمال بورفيسي       

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى