fbpx
الأولى

حديث الصباح: القضاة لا يغضبون…

أنا غاضب مع الغاضبين من المحامين ومع كل قاض غاضب من وضع القضاء المزري وسوء أحوال العدالة

لا يمكن للزملاء بنادي قضاة المغرب، وهم يعرفون مدى اعتزازي بناديهم، أن يستهلكوا التاريخ في جرعة واحدة، أو أن يختزلوا النصر في تأديب محام أو في التشطيب عليه، أو أن يتألقوا في العلا مجدا بمواجهة شخص واحد، كيفما كانت طبيعته ووظيفته، وأن يجففوا الألم الذي عانت بسببه القاضيات والقضاة بالمغرب عبر التاريخ، لما يعاقبون أو يسجنون محاميا أساء إليهم بشكل أو بآخر، أو أن يضعوا تمثالا لجمعيتهم بساحة قتال لا يوجد بها عدوهم الحقيقي.
ليس هناك من لا يتقاسم مع نادي القضاة بالمغرب الشعور بالألم، ومع القاضيات والقضاة جروح المعاني والكلمات، لمناسبة أو لأخرى، ومهما كان مصدر الألم، ومهما كان سببه، ومهما كانت درجته، ومهما كانت مخلفاته، ولكن هل كان للزملاء بالنادي أن يختاروا أسلوبا للاحتجاج كالذي أعلنوا عنه قبل أسبوع؟ أو أن ينادوا إلى الوقفات المدججة بالتصريحات والتهديدات للمطالبة برأس محام صدر منه كلام إساءة، وهي مرفوضة بالطبع، أمام قاض أو أمام قاعة محكمة، وهم يعرفون، بثقافتهم القضائية، أن تأجيج الجسم القضائي من شمال المغرب إلى جنوبه واعتباره معنيا بما حدث، له عدة انعكاسات، وهو يعني أن محاكمة محام من قبلهم، في أي وقت أو بقعة من المغرب، لن تعقد أصلا تحت ولايتهم لأنهم قضاة يؤلفون الخصم والحكم في النزاع، ولأنهم سيجرحون أنفسهم في مهمتهم دون شك لأنهم معنيون ومتضررون، وإن بحثنا جميعا، مشتكين ومتهما عن هيأة للحكم على المحامي وإن وجدناها وشكلناها، فإنها لن تؤمن المحاكمة العادلة قطعا، لأننا كلنا ما زلنا لم نتشبع، في منازعاتنا وخلافاتنا، بالتجرد والحياد الضروريين، ومن هذه الفرضيات أطرح السؤال لأقول: هل يقبل الزملاء بالنادي الدخول في متاهات هم في غنى عنها وهم الأقدر على تجاوزها، وهم من كان ممكنا لهم ببصيرتهم وبعد نظرهم الاحتكام إلى المؤسسات وتطبيق الأعراف والاجتهادات والاهتداء بالسوابق المتعارف عليها بين مكونات العائلة القانونية في جهاز العدالة؟ فهم يعلمون يقينا أن هيآت المحامين تتابع أعضاءها وتؤدبهم إن أذنبوا، ويعلمون أن قراراتها تخضع للرقابة القضائية، ويعلمون أن تنفيذ العقوبات تتم تحت إشراف النيابة العامة، ويعرفون أن المحامين يرفضون ثقافة الإفلات من العقاب وينادون بالمحاسبة والمساءلة، ومن مقدمات ثابتات ومعلومة كهاته، كان المنطق ولغة العقل تدعو إلى أن يرفع النزاع وتعرض المخاصمة على المؤسسات القضائية والمهنية.
زملائي بنادي القضاة يعرفون، وأنا معهم، أن النادي ليس نقابة مهنية، كما هو الأمر مثلا بفرنسا، لها مطالب، ككل النقابات، تعبر عنها وتعلن المعارك من أجلها بواسطة الدعوة إلى الإضراب أو التوقف أو حمل الشارات، ويعلمون أن النادي هو جمعية مستقلة تستلهم مواقفها من أهدافها المحددة في قوانينها وفي قانون الجمعيات، وتشتغل مع الأعضاء المنتسبين إليها لتحقيق الأهداف عن طريق الوسائل المحددة في قانونها التأسيسي، فهل للنادي، بناء على هذه المعطيات، أن يطلب من كل قضاة المغرب وأن يدفعهم في نزاع لا يعني إلا الأعضاء المنضوين تحت النادي؟ وهل له أن يستعمل سلطته المعنوية وهي ليست مهنية ولا وظيفية، على أعضائه ليدعوهم إلى الدخول في احتجاج جماعي في الوقت الذي يعرف مكتب النادي مثلا المساطر التي تحميه ضد المشتكى به أمام من له حق النظر فيها، مثله مثل كل الجمعيات التي ينص قانونها على الحق في التقاضي أمام القضاء مدعية أو مدعى عليها؟ وهل يقبل القضاة أن يمتثلوا لتعليمات للاحتجاج وهم ممن يفرض فيهم عدم الامتثال لأي تعليمات ولو كانت من رؤسائهم، فبالأحرى من زملائهم؟ وهل تنفيذهم اليوم لتعليمات الاحتجاج لن يؤدي بهم استقبالا مثلا إلى تنفيذ تعليمات أخرى من النادي أو من جهة أخرى؟ ولماذا لم يتوجه النادي إلى المؤسسة المهنية للقضاة التي ما زالت تباشر صلاحياتها إلى اليوم كالمجلس الأعلى للقضاء أو وزارة العدل؟

أريد من الزملاء بنادي القضاة أن يعرفوا أن انتقادهم أو انتقاد أدائهم شيء مفيد للقضاء وللمتقاضين، وليس فيه من العيب إلا ما يمكن أن يمس كرامتهم وشرفهم، وهم لما يدافعون عن كرامتهم، فإنه لا يمكن لي أن أنازع في حقهم في الاحتجاج، بل أنا مساند لهم لممارسته لما تكون له دواع حقيقية، وأنهم يعرفون كذلك أنني لا أتفق على الاحتجاج من أجل الاحتجاج بالإضراب أو التوقف العملي أو المعنوي، فالمعادلة غير بسيطة، فالاعتداء عليهم من أي كان غير مقبول بل هو تصرف مدان، فإن الرد من قبل النادي بالتهديد وبرفع وتيرة الانفعال غير مقبول كذلك، لأننا مطالبون جميعا بأن نضع في حساباتنا ردود الفعل مقابل الفعل، والاحتجاج المضاد مقابل الاحتجاج، والغضب المضاد مقابل الغضب، والوقفات المضادة مقابل الوقفات، والشارات مقابل الشارات، أي لابد لنا أن نتجنب المغامرات في المواقف من هذا الجانب أو ذاك، ونتجنب السقوط في ما يمكن أن يعزز نزوات خصوم القضاة الذين يريدون إضعاف صفهم حتى يظهروا وكأنهم غير قادرين على النهوض بالمسؤوليات المنتظرة في إطار المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لأننا، نحن المحامين، لنا القناعة بأن غفلتنا عن هذه الحقائق سوف تذهب بتاريخنا المشترك وتضامنا التاريخي.  
أريد من الزملاء بنادي قضاة المغرب، أن يصنعوا عهدا قضائيا جديدا بتعاون مع كل القضاة ومع كل المناصرين للقضاة، وفي مقدمتهم جماهير المحامين وهم بالآلاف، وأريد أن يكتبوا ما عجزت أجيال القضاة عبر الزمان قبلهم عن كتابته، وأن يستحضروا، ناديا وجمعية، أنهم يعيشون اليوم أوقات سعادة قضائية دستورية أثثت مواقف ومذكرات المحامين والحقوقيين والأحزاب والمجتمع المدني بمقتضياتها وبمقوماتها، بعد السنوات العجاف التي أجبروا فيها على أن يكونوا ضعافا نفسيا ومعنويا ومهنيا ومؤسساتيا، وهي السنوات التي كان المحامون خلالها في الصف الأول لمواجهة الدولة والسلطة في سبيل عزتهم وهم على هذا العهد إلى اليوم قناعة وليس مجاملة، علما أن استحضار البعض من هذا التاريخ اليوم ليس حبا في المباهاة أو المطالبة بمقابل أو الاعتراف به من أحد.
أنا غاضب ومتضامن مع الغاضبين والمتضامنين من المحامين، وهم بالآلاف مثلي منذ أكثر من أربعة عقود وليس من بضعة أيام فقط، ومع كل قاض غاضب من وضع القضاء المزري، ومع كل قاض غاضب من سوء أحوال العدالة ومهزلة تصريفها، ومع كل قاض غاضب مما يعانيه المتقاضون من محن للولوج إلى العدالة والحصول على حقوقهم والاعتراف بمواطنتهم، ومع كل قاض غاضب من قلة وسائل العمل بالمحاكم وهشاشتها، ومع كل قاض غاضب يعاني ثقل مئات الملفات التي يتناولها في كل جلسة، ومع كل قاض غاضب لما يعجز ويشعر أنه ليس باستطاعته ضمان ما يلزم من وقت ومن ظروف لكل من يمثل أمامه للمحاكمة ليتبادل وإياه الثقة، ومتضامن مع كل قاض غاضب لما يهان أثناء ممارسته أو خارجها، ومتضامن مع كل قاض غاضب لما يرى كرامته تداس ولا يجد إنسانا ندا له أو ذراعا يحميه، ومتضامن مع كل قاض يتألم لعجز لسانه عن قول كلمة لا، ويتألم لعجز قلمه عن كتابة “أرفض”، وعجز عينيه عن رؤية ما يعرف أنه غير الحقيقة، ومن هنا لابد أن نقف كلنا في إطار حملة مهنية مرصوصة الصف يقودها حوار مستدام بين القضاة والمحامين لنتحدى المعضلات الحقيقية التي تحتاج منا إلى وقفات دون شارات بيضاء ولا حمراء، نجتمع فيها لنسمع صوتنا في الآتي من المحطات في مجال إصلاح العدالة، ومنذ الغد في منحى الحوار الذي يدعو إليه وزير العدل ضمن مخطط السنوات المقبلة حتى نكون من صناع خلاصاته ونتائجه وفي القلب منه.
لنا كلنا، قضاة ومحامين، كامل الشعور بالمسؤوليات المشتركة بيننا مما يوجب علينا أن نحتج ونغضب صفا واحدا ضد الفساد والظلم وأوضاع العدالة المعقدة، وأوضاع السجون المزرية، عوض أن ننقلب على ذواتنا لنسلخ جلودنا بذريعة أو بأخرى ونتوهم أننا نسجل الإصابة في جوف الآخر، وأستحضر بالمناسبة ذلك الموقف الغاضب للقاضي لوي جوانيي سنة 1970 لما كان رئيسا لنقابة القضاة (سانديكا دو لاماجيستراتير) بفرنسا عندما هددت الدولة الفرنسية القاضي لوي زولانجير بالمتابعة، وهو الشاب الذي كان يحقق في قضية الشهيد المهدي بنبركة لثنيه عن عمله، وأستحضر نداء جنيف الذي أعلنه قضاة من أمثال بلتازار كارسون، وبرنار برتوزا، ورونو فان رامبيركي ضد الرشوة والراشين في المحيط الأوربي، وأستحضر القاضية إيفا جولي مع زملائها وهم يقفون ضد لوبيات الفساد وضد طمس الملفات، وأستحضر وقفات المحامين والقضاة والاحتجاجات المشتركة ضد رشيدة داتي وهم غاضبون من فشلها في معالجة وضعية الاكتظاظ بالسجون ومعاملة السجناء غير الإنسانية، وأستحضر الاحتجاج الذي عبر عنه المحامون والقضاة لما أراد الرئيس ساركوزي حذف مؤسسة قاضي التحقيق، واعتبروا ذلك محاولة لتقوية السلطة التنفيذية على القضاء، فكل المعارك الحقيقية لابد أن تكون معاركنا كلنا، وإننا واهمون وفاشلون إن كانت الغاية فقط من تحركاتنا هي بناء جمهورية للقضاة نرقص غيها ونهتز على حساب بذلة المحاماة.

بقلم: النقيب عبد الرحيم الجامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق