fbpx
بانوراما

فاس من أبوابها : باب المكينة … دور روحاني

لكل واحدة من 47 بابا تاريخية بفاس العتيقة، قصة تأسيس وميلاد وماض شاهد على حقب بهية وزاخرة من أعماق 12 قرنا عمر مدينة يشتم من أسوارها ونفائس عمرانها، عبق تاريخ يحتاج إماطة اللثام ووقفة تأمل مستشرفة لمستقبل منفتح على رقي حضري يشرع أبوابها المفتوحة على آفاق واعدة ورحبة.

يطابق الباب المشيد في 1886 في شكله باب الوادي أو باب القنطرة المبني في عهد بني مرين
اشتهر باب المكينة، الذي يربط بين المدينة القديمة ومختلف الممرات المؤدية إلى المدينة الجديدة، وشكل سابقا مدخلا رئيسيا لحي فاس الجديد المجاور للقصر الملكي العامر، باحتضانه مختلف سهرات مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، منذ إطلاقه قبل أكثر من عقدين، بمشاركة فنانين عالميين.

ويطابق هذا الباب الضخم الذي بناه الحسن الأول العلوي في عام 1886، في شكله باب الوادي أو “باب القنطرة” المبني في عهد بني مرين. ويفضي إلى ساحة فسيحة محاطة بأسوار عالية، عادة ما تفتح في يونيو من كل سنة، في وجه سهرات المهرجان قبالة المنصة التي عادة ما تنصب بالباب الداخلي.
قبل أن تتحول ساحة الباب المقابلة لقصبة شراردة التاريخية، إلى فضاء روحاني وتحضن سهرات المهرجان المذكور وفنانيه، استقبلت في فترات سابقة، جنودا واستعراضات عسكرية، وطالما خصصت لاستقبال الوفود الأجنبية الوافدة على فاس من رؤساء الدول أثناء حلولهم ضيوفا على حاكمي فاس.

وتعتبر ساحته واحدة من أشهر ساحات المشور القريبة من فاس الجديد أو المدينة البيضاء التي بناها بنو مرين لتضم قصرهم، كبنائهم مصنعا للسلاح اقتبست منه اسم “دار السلاح”، في إطار تعزيز القدرات الدفاعية للجيوش و”عصرنة السلاح والجيش، سيما بعد نكسة معركة إيسلي ومعاهدة مدريد”.
وتحكي المصادر التاريخية أن السلطان الحسن الأول بنى الباب “ليكون مدخلا لمدرسة ومصنع الأسلحة”، حسب محمد معنى السنوسي في كتابه “نبضات من قلب فاس: سيرة مدينة وتاريخها”، بعدما سافر إلى إيطاليا واقتبس من أبوابها شكل بابه ذي القوس الضخم المبني على الطراز الإيطالي.

وقع هذا السلطان اتفاقا مع السلطات الإيطالية أرسل بموجبه بعثات مغربية لهذا البلد للاستفادة من تجربته في مجال الدفاع، واستقبل ثلاثة مهندسين كلفوا ببناء مصنع الأسلحة، و”أشرفوا على البناء الفسيح ذي القباب الشاهقة المظلمة على الشاكلة الإسماعيلية” ومنهم الميكانيكي باتيسنا نوتاري ولويجي فالطا.
كان الكولونيل الإيطالي جيورجيو بروكولي على رأس الوفد، وأشرف في سرية تامة على بناء المصنع بعد استقبال مختلف الآلات من البندقية، بعد أربع سنوات من بنائه، ليطلق عليه اسم “دار الماكينة” المقتبس من الكلمة الإيطالية “macchina”، في غفلة من الموقعين على اتفاقية مدريد الغاضبين من السلطان.

كان السلطان الحسن الأول حريصا على تتبع كل الأشغال بالمصنع بعد ربطه بخط هاتفي مباشر بالقصر الملكي ومواكبا لما يصنع به ومنه بندقيتان من نوع مارتيني أعجب وحاشيته بهما لجودتهما ودقتهما العالية، ما شجعه على صناعة هذا النوع بمصنع مد بالكهرباء القرويين وقصر عبد السلام المقري.
ورغم الدسائس التي حبكها الخصوم لما علموا بمبادرة السلطان الاعتماد على نفسه في تسليح جيشه، فإن المصنع استمر في أداء أدواره، إذ صنع قطعا للمدفعيات، رغم حالة انكماش عرفها في حقب تاريخية خاصة بعدما انتقل الحكم من السلطان إلى ابنه، سبقت وصول أول مطبعة رسمية وصك النقود.

لكن نور المصنع سرعان ما خبا تدريجيا سيما بعد توقيع با احماد أو الصدر الأعظم اتفاقية جديدة لتزويد فاس بالكهرباء ومشاريع أخرى ألغتها معاهدة الحماية، ما أباد الدور العسكري للمصنع وحول جزءا منه إلى معمل للزرابي قبل فتح مدرسة فرنسية إسلامية لتدريس بعض الصناعات قبل قرن وسنتين.

لكن نهايته جاءت بتحويل مجرى وادي فاس إليه واندلاع حريق فيه سنة 1938، أي قبل 57 سنة من تحويل بابه (المكينة) موقعا بالساحة المحاذية له، لتلاقي الثقافات في مهرجان زاد من شهرة الباب وغطى عن أدواره العسكرية السابقة الشاهدة على حقبة زاخرة في التسليح وتنظيم الجيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى