fbpx
وطنية

النيابة العامة والرشوة والمواطن

أول امتحان للثقــة تخضع له الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات والمنتخبـون

بقلم: عبد الرحيم الجامعي(*)

من دون وساطة ومن دون إذن، فُتح خط التواصل بين الضحايا وبين رئاسة النيابة العامة للتبليغ عن أخطر الجرائم المالية، وهي جريمة الرشوة والارتشاء، وأمر هكذا قرار سياسي وإستراتيجي في عمقه وأبعاده، قانوني ومجتمعي وأخلاقي في طبيعته وفي آثاره، ولابد من تحيته وتشجيعه ودعمه.
إنها أول عملية لرئاسة النيابة العامة من هذا الإخراج، واضحة للعموم، ترتبط بسياسة جنائية للوقاية من الرشوة، تنزل للتطبيق، ويشترك فيها المواطن، بل يكون فيها الطرف الأصلي صاحب المبادرة.
إنه أول امتحان للثقــة الذي ينتظر الجميع أن ينجح فيه الجمـيع، امتحان تخضع له الدولة بموظفيها وتخضع له المؤسسات العمومية والجماعات والمنتخبـون، وتخضع له المقاولات الخاصة والعامة، وتخضع له الصفقات العمومية والمشاركون فيها، والمتصارعون للفوز بها، وتخضع له إدارات إستراتيجية في التعليم والصحة والضرائب والعدالة والرياضة، وتمتحن فيه المهن الحرة في الطب والتوثيق والمحاماة والعدول… إلخ، وذلك عبر آلية وقاية وإنذار وهي  – PPC- أو – CITOYEN PRESIDENCE DU PARQUET – والتي تعني تحالف طرفين هما مؤسسة النيابة العامة ورئاستها والمواطن، عبر رقم عُشري سحري قاتل وهو 0537778888، ومن هنا يفرض الأمر على كل المتبارين في امتحان الثقة أن يوفروا كل الإمكانيات لتبلغ الثقة قِمتها والمِصداقية أوجَها، ويحصد المجتمع من هذه الوصفة في النهاية ما يرجوه من ثمار.      
من المؤكد الذي لا يختلف حوله اثنـان، أن الرشوة أكبر عدو للقانون وللمواطن وللمجتمع، ولكنها، في الوقت ذاته، سلطة ونفـوذ بـيد من يتلاعبون بالقانون والقيم، والذين هم في كل المواقع والمرافق والمسؤوليات والمستويات والمؤسسات ومقاعد النفوذ السياسي ومراكز النفوذ المالي. كلهم يدركون أن الجمهور يعرفهم ويعرف خطورتهم ويعلم بتصرفاتهم وبأرباحهم وإِثرائهم غير المشروع، ولكنهم، مع ذلك، يحملون باستمرار علامات بيضاء فوق صدورهم -COLS BLANCS-  عنوانا للنظافة وطهارة الأيادي ليصلوا، بالخداع والنصب، إلى غاياتهم وليستحوذوا، بقدر كبير من المال الملوث، على أموال الخواص وأموال الخزينة.   
أعتقد أننا أمام عملية يجب أن تكسب فيها النيابة العامة المواطن، ويجب أن تكبُر وتنضُج وألا يتسلط عليها المتآمرون، وألا تمتص مصداقيتها الحسابات والمناورات لتفريغها من مضامينها ومن شُعلتها أو إقبارها وجعلها بَـريقا مؤقتا يبـدأ فَجْـرا وينتهي في الأصِـيل، أو عملية تبدأ صَقرا قويا مخيفا وتنتهي فأرا لا قدر الله.
وأعتقد أن رئاسة النيابة العامة قد هيأت لهذا التحدي ما يتطلبه من إمكانيات بشرية صادقة، وعبأت له فرقا استثنائية متمرسة في العمل النضالي الحقيقي، محليا وجهويا ووطنيا، من القضاة ومن الكفاءات، فضلا عن الإمكانيات التكنولوجية والتواصلية والإعلامية والرقمية، القادرة على كسب الرهان بسرعة وبدقة.
المواطن ورئاسة النيابة العامة يوقعان اليوم عقد شراكة صعبة وإستراتيجية ضد “الجريمة الذهبيـة”، ومن أجل الالتزام بالدفاع عن القيم والأخلاق والمواطنـة وسيادة القانون ومحاربة الفسـاد والإفلات من العقاب باستعمال الرقم القـوي، وينطلقان معا لفتح صفحـة مجتمعيـة سـلاحها القانون واليقظة والمصداقية، دون مجاملة ودون محاباة. 
هاهي ذي البداية، ورتبة المغرب، بكل أسف لدى “ترانسبرانسي” الدولية تتدنى في بارومتر الفساد بكل مظاهره كما يعرف الجميع، وغدا لنا موعد مع التاريخ ومع نجاح التجربة مع المواطن وبإبداعاته.
فعلينا أن نختار، إما مغربا من دون رشوة أو مغربا من دون عدالة.
(*) نقيب سابق ورئيس سابق لجمعية هيآت المحامين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق