fbpx
بانوراما

قطبي: 20 درهما ثمن أولى لوحاتي

قطبي… لعبة الفن والحياة 6

خلف الوجه الطفولي والنظرات المليئة بالحماس والاندفاع، تستتر تفاصيل حياة قاسية مليئة بغرائب المفاجآت والصدف، التي قادت طفلا فقيرا من حي التقدم بالرباط لتسيد كبريات المعارض والأروقة الفنية عبر العالم. في هذه الحلقات، يحكي قطبي عن “ومضات” في مسار حياته ومحطات فارقة، رسمت طريقه من العاصمة إلى أرقى الأحياء الباريسية.

جيلالي غرباوي أجبر أصدقاءه على اقتناء أعمالي وشجعني على التسجيل في مدرسة للفنون الجميلة بالرباط
عملي الجديد في تغطية الأنشطة الفنية والمعارض، أتاح لي فرصة التعرف على مجموعة من الأشخاص المهمين، من بينهم الفنان التشكيلي الشهير جيلالي غرباوي، الذي سأظل ممتنا له، باعتباره أول شخص وضع قدمي في مجال الفن التشكيلي. كانت المناسبة معرضا للفنان المعروف “شنايدر”، تجولت به طويلا، قبل أن ألمح رجلا أنيقا بربطة عنق لافتة. اقتربت منه وقدمت نفسي إليه بصفتي مهدي قطبي، فنان. نظر إلي طويلا وضحك، ثم طلب مني موافاته بأحد أعمالي. اللقاء في حد ذاته، ترك لدي انطباعا إيجابيا.
ذهبت في اليوم الموالي، لملاقاة جيلالي غرباوي في مطعم السفراء كما هو متفق عليه، لأسير مشيا عبر شارع علال بن عبد الله، قبل أن أفاجأ بصوت ينبهني إلى التوقف. استدرت لأجد غرباوي جالسا في مطعم رفقة أصدقاء له. دعاني للدخول ومجالستهم فلبيت طلبه. أجلس اليوم متذكرا تفاصيل ذلك اللقاء باندهاش، فكيف لم أمر من شارع محمد الخامس، ولماذا سلكت ذلك الطريق حينها. كلها صدف رسمت قدري في هذه الحياة.

جلست خجلا مع غرباوي، وتناولنا وجبة حينها، ما زالت أتذكر طعم البطاطس المقلية “الفريت” حتى اليوم. متأبطا عملين لرسومات بيدي، أنجزتهما على عجل، أخذهما مني وطلب من أصدقائه اقتناءها، وحدد الثمن في 20 درهما لكل عمل، لأحصل على 40 درهما، كان هذا المبلغ قيمة أول عمل أبيعه، وأنفقته على اقتناء لوازم خاصة بالرسم، لأنطلق في رحلة لم أكن أعرف منتهاها.
قصدت مدرسة للفنون الجميلة صاحبها فرنسي يدعى “ألي رينيه”، عرضت عليه التسجيل في المدرسة، فقبل ورحب، رغم علمه بعجزي عن أداء تكاليف الدراسة، لذلك كنت أعمل في الورشات المنظمة من قبل المدرسة وأبيع لوحاتي للطالبات المقيمات في فرنسا، من أجل تأمين تكاليف عيشي، قبل أن تخالجني فكرة السفر إلى فرنسا من أجل دراسة الفنون هناك، مدفوعا بغايات أخرى متمثلة في الهروب من واقع مرير، والانسلاخ عن ماض، في بلد لا يسألني أحد فيه عن أصولي أو من حيث أتيت، وأستطيع أن أبدأ به حياة جديدة.

بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى