بانوراما

“لابريس”… حانة الصحافيين

فضاءات بيضاوية أسطورية 5
لم تكن البيضاء مثلما هي عليه اليوم. مدينة غول، “يتقاتل” سكانها كل يوم، من أجل لقمة عيش مغموسة بكثير من العرق والذل. لم تكن هي هذه المدينة التي لا مساحة للجمال والثقافة والحضارة فيها بعد أن حوّلها أباطرة العقار إلى “بيدونفيل” ضخم، عشوائي وخانق. في هذه الحلقات، نعود بالزمن إلى الوراء، من خلال سلسلة حلقات حول بعض الفضاءات الأسطورية للبيضاء، التي شكلت مفخرة سكانها عبر السنوات، معتمدين، في هذه الرحلة النوستالجية، على ما جاء حولها في كتب ومقالات ومجلات، وعلى وثائق زودتنا بها جمعية “كازا ميموار”، ومستعينين أيضا بقصص وحكايات بيضاويين أقحاح.
نورا الفواري

من أشهر زبائنها الخوري وزفزاف والمجاطي وخير الدين
تعتبر حانة ومطعم “لابريس” بالبيضاء، الموجودة بشارع جون كورتان، سابقا، أو إبراهيم الروداني، حاليا، بالقرب من زنقة “جورا” الشهيرة بحي المعاريف، واحدا من أقدم مطاعم العاصمة الاقتصادية التي بناها الاستعمار.
ورغم أنها فقدت، مع مرور السنوات، الكثير من مجدها، وتغيرت نوعية زبنائها التي كانت مكونة من النخبة والصحافيين والمثقفين، إلا أنها ما زالت تستقطب الكثير من “البيضاويين” وغيرهم، الذين يحنّون إلى الزمن الجميل، ذلك الزمن الذي كان فيه الجلوس إلى طاولة بالمطعم، يعني النقاش الثري والبناء والهادف.
فتحت “لابريس” أبوابها في 1938. وفي رواية أخرى، سنة 1943. واستقطبت، منذ ذلك الحين، إلى جانب سكان المعاريف، الذين كان أغلبهم من الأجانب، العديد من الصحافيين ورجال مهنة المتاعب، الذين كانوا يقصدونها بعد يوم شاق من العمل، للانتعاش ومناقشة قضايا هامة وكبرى، كانت الشغل الشاغل للناس في تلك الفترة التي كان العالم فيها يغلي غليانا. كان أغلبيتهم فرنسيون يشتغلون في “لوبوتي ماروكان” أو “لافيجي ماروكين”، أحد أهم وأقوى المنابر الإعلامية في تلك الفترة.
كانت “لابريس”، أيضا، مقصد عشاق الأكل والمطبخ الفرنسي. إذ تميزت بتقديم وصفات وأطباق مشهورة في العديد من المناطق الفرنسية، إضافة إلى النبيذ الفرنسي الجيد، مصحوبة بالموسيقى والأغاني الفرنسية الشهيرة في ذلك الوقت، وهي الروح التي حاول المالك الجديد للمكان، الحفاظ عليها، حتى بعد رحيل صاحبه الفرنسي الذي اشتراه منه، وكان يدعى جوزيف ساليرنو.
كان المطعم قبلة للنخبة المثقفة البيضاوية، أو ما يطلق عليه بـ “الأنتلجنسيا”. وكان يستقطب شخصيات من مختلف التوجهات والثقافات والقناعات، إذ كان يمكن أن يجلس الوطني في طاولة مجاورة لطاولة أحد الموالين للاستعمار، كما كانت “لابريس”، أيضا، الفضاء المفضل لرموز حزب الاستقلال ورجال الحركة الوطنية، سنوات الخمسينات.

“الكونتوار” الأحمر
ظلت “لابريس”، حتى بعد الاستقلال، محجا للكثير من الفنانين والأدباء والكتّاب، لعل أشهرهم إدريس الخوري، ومحمد زفزاف، الذي كان يقطن قريبا منها، بحي المعاريف، إضافة إلى الروائي والكاتب محمد خير الدين والشاعر الطلائعي أحمد المجاطي، الذين ظلوا أوفياء للفضاء. مشاهير أيضا واظبوا على ارتياد “لابريس”، على رأسهم بطل الملاكمة الشهير مارسيل سيردان، الذي كان يفضل الجلوس على “البار”.
حافظ المكان، الذي يعتبر اليوم من الحانات الأسطورية للعاصمة الاقتصادية، على الكثير من ملامحه القديمة، خاصة “الكونتوار” الأحمر، رغم رحيل مالكيه الفرنسيين في السبعينات. ولعل ذلك راجع إلى أن المالك الجديد الذي اشتراه، رفقة شركاء آخرين، كان واحدا من قدماء المستخدمين بـ “لابريس”، والذي عاش فترة أوجها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق