بانوراما

قطبي … في بلاط صاحبة الجلالة

قطبي… لعبة الفن والحياة 5

خلف الوجه الطفولي والنظرات المليئة بالحماس والاندفاع، تستتر تفاصيل حياة قاسية مليئة بغرائب المفاجآت والصدف، التي قادت طفلا فقيرا من حي التقدم بالرباط لتسيد كبريات المعارض والأروقة الفنية عبر العالم. في هذه الحلقات، يحكي قطبي عن “ومضات” في مسار حياته ومحطات فارقة، رسمت طريقه من العاصمة إلى أرقى الأحياء الباريسية.

انتقلت من الحلاقة إلى خدمة البيوت ثم عدت من جديد إلى الرسم واللوحات في تغطيات صحافية

بعد مغادرتي الثانوية العسكرية في القنيطرة، أو بالأحرى بعد هروبي منها، عدت إلى دوامة الحياة الصعبة وشظف العيش من جديد، اشتغلت لدى حلاق في منطقة “باب الأحد” بالرباط، أغسل شعر الزبناء مقابل إكراميات هزيلة، وتعرفت على أحد الشباب، الذي كان يكبرني بسنوات، إذ أمن لي مكانا أعيش فيه مع أسرته، التي أحتفظ لأفرادها الذين توفوا جميعا الآن بامتنان كبير، لما قدموه لي خلال تلك الفترة.

انقطعت علاقتي بأسرتي منذ تلك الفترة، وانتقلت من مهنة إلى أخرى، قبل أن أحط الرحال عاملا منزليا في إحدى الفيلات في حي أكدال بالعاصمة. كنت “خدام” بالعامية، أفتح الباب وأغلقه، أتسوق للمنزل وأنظف وغيرها من المهام، إلى أن جاءني صاحب الفيلا في أحد الأيام، وصارحني بأني لا أصلح لهذه المهنة، بالنظر إلى شكلي ولباقتي وأدبي، وأقنعني بأنه سيشغلني في أحد المكاتب، علما أنه كان مسؤولا كبيرا في الدولة حينها.

اسودت الدنيا في وجهي بعد ذلك، وأنا أحاول البحث عن فرصة لتأمين لقمة العيش. لأطرق باب “لا فيجي” بشارع علال بنعبد الله، لم أكن أدرك أين سأذهب، هائما طيلة ساعات اليوم في الشوارع. تسلقت الدرجة لأدلف إلى مكتب يجلس به شخص بنظارات وسيجارة، كان يمتلك “كاريزما” خاصة. رمقني بنظرة صارمة وسألني عن طلبي، فاقتربت منه ببطء، موجها إليه القول، “أريد أن أعمل صحافيا متعلما”. ودون أن يهز رأسه وجهني إلى مكتب فارغ وطلب مني الشروع في العمل. كنت منبهرا بضجيج آلات الطباعة ورائحة الحبر، إنه عالم جديد شرعت في اكتشاف تفاصيله.

وضعت قدما في بلاط صاحبة الجلالة، وبدأت في العمل أحرر مقالات والسيد “لوكونت” يصحح ما أكتب. أغرمت مباشرة بكل ما هو فني، وشرعت في متابعة أخبار الفنانين والمعارض والأعمال الفنية، لذا كنت أحمل الدعوات التي تصل إلى الجريدة وأعمل على تغطية أشغال معارض الفن التشكيلي التي كانت تقام حينها، وأقدم نفسي للآخرين بصفتي مهدي قطبي الصحافي، إلى أن قادتني الصدف للتعرف على شخص غير حياتي.

بدر الدين عتيقي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق