مجتمع

مجلس المنافسة … الحكم الموقوف

عين لتحكيم مقابلات الأسواق وما زال ينتظر القرار الرسمي

يعتبر اقتصاد السوق أقل الأنظمة الاقتصادية ضررا، بالنظر إلى أنه يستند إلى حرية المبادرة وعدم تدخل أي جهة خارجة عن المتدخلين في السوق في تحديد مساره ومخرجاته. وتبنى هذه النظرية على فكرة محورية بسيطة أن العرض والطلب هما المحددان الأساسيان للأسعار ولا يمكن لأي جهة التدخل من أجل تصحيح الأوضاع، إذ أن المواجهة بين العرض والطلب تحدث توازنا في السوق وتحدد مستوى السعر الذي يضمن التوازن. لذا يطالب أصحاب هذه النظرية الدولة بعدم التدخل بأي وجه من الأوجه وترك المواجهة بين العرض والطلب يحدد مستويات التوازن والأسعار الملائمة لها.
لكن يتعين توفر مجموعة من الشروط من أجل أن تشتغل ميكانيزمات العرض والطلب، من أبرزها تكافؤ الفرص بين مختلف المتدخلين في السوق، وضمان منافسة متكافئة بينهم. ويتعين اعتماد حكم للسهر على عدم انتهاك شروط المنافسة والندية داخل السوق. لذا فإن كل الدول التي تعتمد اقتصاد السوق تتوفر على سلطة تسهر على ضمان احترام هذه الشروط.
رغم أن المغرب اختار اقتصاد السوق وحرية المبادرة منذ الاستقلال، فإنه لم يتم إنشاء مجلس المنافسة سوى في 2008، وكان دوره يقتصر على المشورة، إذ لم يكن يتوفر على أي سلطة في ما يتعلق بمراقبة السوق والسهر على احترام شروط المنافسة. وظل لسنوات مؤسسة غير ذات أثر في الواقع إلى غاية 2011، عندما تقرر تعديل دستور 1996، ورفع مجلس المنافسة إلى مؤسسة دستورية ضمن مؤسسات الحكامة التي جاء بها الدستور الجديد. لكن إصدار القانون الجديد الخاص بالمجلس تطلب أزيد من ثلاث سنوات.
وصدر الظهير المتعلق بتنفيذ القانون رقم 20.13، الخاص بمجلس المنافسة في 30 يونيو 2014، أي منذ حوالي أربع سنوات من الآن. ويتميز القانون الجديد بتمكين هذه الهيأة بسلطات تقريرية في مجال احترام قواعد المنافسة ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار.

اختصاصات المجلس

خص القانون الجديد مجلس المنافسة بسلطات واسعة في مجال محاربة الممارسات المنافية للمنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي، إذ أصبحت له سلطات تقريرية في هذا المجال. ومن المستجدات التي جاء بها القانون أنه أصبح بإمكان المجلس أن ينظر بمبادرة منه، دون أي إحالات من جهات أخرى، في أي إخلالات بقواعد المنافسة والممارسات المنافية للقانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. كما أتاح له القانون أن يدلي برأيه في كل مسألة مبدئية تتعلق بالمنافسة بطلب من مجالس الجماعات الترابية أو غرف الصناعة والتجارة والخدمات والفلاحة أو المنظمات النقابية والمهنية أو هيآت التقنين القطاعية أو جمعيات المستهلكين المعترف لها بصفة المنفعة العامة. ويمكن للمحاكم أن تلجأ إليه في شأن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المثارة في القضايا المعروضة عليها.
وألزم القانون الحكومة بضرورة استشارة المجلس في مشاريع النصوص التشريعية أو التنظيمية المتعلقة بإحداث نظام جديد أو بتغيير نظام قائم يهدف إلى فرض قيود كمية على ممارسة مهنة أو الدخول إلى سوق، أو إقامة احتكارات أو حقوق استثنائية أو خاصة في التراب المغربي أو في جزء منه، أو فرض ممارسات موحدة في ما يتعلق بأسعار أو شروط البيع.

التشكيلة المعلقة

يتشكل المجلس، إضافة إلى الرئيس الذي يعين بظهير لمدة 5 سنوات ، من 12 عضوا يتم تعيينه بمقتضى مرسوم، عضوان من القضاة نائبان للرئيس باقتراح من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إضافة إلى أربعة أعضاء يختارون بناء على كفاءاتهم في الميدان الاقتصادي أو المنافسة، وعضوان يختاران بالنظر إلى كفاءاتهم في المجال القانوني، وثلاثة أعضاء يتم اختيارهم بناء على مزاولتهم لنشاطات في قطاعات الإنتاج أو التوزيع أو الخدمات، إضافة إلى عضو يختار بناء على كفاءته في ميدان حماية المستهلك. وروعي في تشكيلة المجلس المهنية والاختصاص، وذلك لضمان توفر كل الكفاءات المطلوبة للنظر في القضايا المطروحة على المجلس.
لكن ما يزال المجلس حتى الآن يشتغل بالتشكيلة القديمة، ما يجعله في وضع لا يسمح له بالفصل في القضايا المعروضة عليه، إذ يجب تعيين الرئيس والأعضاء الإثنى عشر ليمكنه البت في الملفات والإدلاء برأيه فيها. وأدى ذلك إلى تعليق كل المهام والسلط الموكولة للمجلس بمقتضى القانون الجديد، إذ هناك ملفات تتعلق بطلبات التركيز وعمليات الاقتناء والاندماج معروضة على مجلس المنافسة دون أن يتم الفصل فيها، باستثناء البعض منها ذات البعد الإستراتيجي، التي تمت إحالتها على رئيس الحكومة من أجل التأشير عليها مثل عملية الاقتناء والاندماج بين لافارج وهولسيم، علما أن القانون الجديد يخول لمجلس المنافسة سلطة النظر في طلبات التركيز. كما أن عدم تعيين أعضاء المجلس يجعل المؤسسة غير قادرة على البت في الشكايات التي تتوصل بها بشأن قضايا المنافسة. وأكدت مصادر أن عدد الشكايات التي توصل بها تجاوزت 50 شكاية ما بين 2014 و 2017.

مباريات دون حكام
يعتبر دور مجلس المنافسة بمثابة الحكم داخل رقعة الملعب، إذ على غرار حكم مقابلة رياضية الذي يسهر على مدى احترام الفرق المشاركة في المقابلة لقوانين اللعبة، فإن مجلس المنافسة يسهر على احترام قوانين السوق خلال مقابلات العرض والطلب. وكما أن حكم المباراة الرياضية يصدر أحكاما ويوجه إنذارات ويطرد اللاعبين الذين لا يحترمون قوانين اللعبة من الملعب، فإن مجلس المنافسة يصدر تدابير زجرية، بدورها، في حق المشاركين في مقابلة العرض والطلب إذا أخلوا بمقتضيات التنافس الشريف.
لكن هناك فارقا جوهريا بين الحكمين، إذ أن الفرق الرياضية ترفض إجراء المقابلة في غياب الحكم، في حين أن اللاعبين المشاركين في مقابلة العرض والطلب لا يضيرهم في شيء وجود الحكم من عدمه، إذ أن المقابلات في الأسواق متواصلة رغم عدم وجود الحكم.

عبد الواحد كنفاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق