مجتمع

الصحة بتاونات تحتاج جرعات أنسولين

ثلاث نقابات دعت إلى إضراب إقليمي ومشاكل تؤرق المهنيين والمرضى

يعيش قطاع الصحة بتاونات اختناقا ينذر بتطورات غير مسبوقة في ظل تنامي احتجاجات النقابات واستفحال مشاكله التي تهدده بـ”السكتة القلبية”، ما لم يتم التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والجلوس إلى طاولة الحوار الوحيد القادر على جبر الخواطر وتجنيب المرضى، ويلات هم في غنى عنها.

القطاع بحاجة إلى عمليات جراحية لاستئصال معللا وجرعات أنسولين، تعيد إليه عافيته المفقودة بمراكز صحية بئيسة، ومستشفى إقليمي بتجهيزات مهمة وأطر غير كافية، وواقع يقض مضجع قاصديه ممن يوجهون إلى مستشفيات فاس التي لم تعد تطيق ترحيل مرضى تاونات إليها.

إضراب إنذاري
دعت ثلاث نقابات إلى إضراب إقليمي إنذاري في القطاع، يومي أول أمس (الأربعاء) وأمس (الخميس)، مع استثناء المستعجلات، بعد سلسلة من المراسلات والبيانات التنبيهية والإنذارية، التي «لم تجد نفعا»، خاصة بالمستشفى الإقليمي ومستشفى غفساي، النقطتين السوداويين بالقطاع.
ودفع التضييق على موظفي المستشفى الإقليمي وترهيبهم وترغيبهم لتغيير إطارهم النقابي، الجامعة الوطنية لقطاع الصحة (إ. و. ش)، إلى الدعوة لهذا الإضراب، مستغربة السياسة المتبعة من طرف المندوبية التي «لا تحرك ساكنا لإنقاذ المستشفى وإصلاح ما يمكن إصلاحه».
وتحدثت عن احتقان يعرفه المستشفى، خاصة بعد «فضيحة صرف التعويضات التي تمت بطريقة الوزيعة من طرف المسؤولين به، ضاربين القوانين والأعراف» عرض الحائط بلغة بيان لها أكد تحول المستشفى ونظيره بغفساي، إلى «ضيعة يعيث فيها البعض، فسادا دون حسيب ولا رقيب».
وهي الأسباب نفسها، التي أثارت غضب المكتبين الإقليميين للنقابة الوطنية للصحة (ك. د. ش) والنقابة المستقلة لأطباء القطاع العام، الداعيتين للإضراب في اليومين ذاتيهما، واللتين دأبتا منذ مدة ليست بالهينة، على تنسيق تحركاتهما واحتجاجاتهما ضدا على واقع قطاع الصحة بالإقليم.
ولعل من الأسباب الكامنة وراء الدعوة للإضراب، تعرض سعيدة الكعدوس الطبيبة بالمركز الصحي الحضري بتاونات، إلى اعتداء صباح الخميس 9 فبراير الجاري، ما جعل النقابات تطالب السلطات المحلية، بتوفير الحماية والأمن للأطر الطبية انسجاما مع الفصل 19 من القانون الأساسي للوظيفة العمومية.
تعويضات وغضب
طريقة توزيع التعويضات الخاصة بالتنقل وتغيير الإقامة بالمركز الاستشفائي الإقليمي برسم السنة الماضية، المقدرة حسب نقابيين ب15 ألف درهم، نقطة أفاضت كأس صبر النقابات الثلاث، التي تحدثت عن «توزيع مشبوه» غيب «معايير النزاهة والشفافية»، مطالبة بفتح تحقيق في مبرراته.
توزيع الإدارة التعويضات «اعتمد الانتماء النقابي الذي تفضله والذي يؤازرها والمقربين» و»أطلق العنان لمزاج الأفراد لتطبيق «من معنا سيستفيد»، في دعاية نقابوية مفضوحة» حسب نقابتي الأطباء و»ك. د. ش» المتحدثتين عن «إقصاء ممنهج للأطر التمريضية المتخصصة في التخدير».  
واستغربتا إقصاء أطر التمريض الذين تنقلوا فعليا عبر سيارات الإسعاف لتقديم الإسعافات الضرورية للمرضى في حالة الخطر الذين وجهوا، بسبب غياب مصلحة الإنعاش الطبي والجراحي، إلى المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس على مسافة تمتد لأكثر من 90 كيلومترا».
لكن «إدارة المركز الاستشفائي العجيبة، لم تراع ذلك» و»اختارت ألا تعترف بحقوقهم المشروعة»، رغم «ما تكبدوه من عناء نفسي وبدني وأخطار الطريق» حسب النقابتين اللتين تحدثتا عن سوء تدبير وفوضى وخصاص مهول في الموارد البشرية بهذا المستشفى ونظيره بغفساي.
وطالبتا في بيانهما المشترك الثالث، بصرف التعويضات الخاصة بالحراسة والإلزامية برسم سنوات 2009 و2010 و2011، وتمكين فاطمة الزهراء نور، الطبيبة الرئيسية سابقا بمصلحة الجراحة، من حقوقها المادية المشروعة فيما يخص الإلزامية التي كانت تقوم بها.

“كم حاجة قضيناها..”
بدت الجامعة الوطنية للصحة، قلقة على القطاع، الذي قالت إنه يخضع لسياسة «كم حاجة قضيناها بتركها»، المتبعة من قبل الإدارة رغم التحذيرات والتوجيهات التي وجهتها ونقابات أخرى، متحدثة عن استمرار الإدارة في اعتماد طريقة مشبوهة وغير شفافة في صرف التعويضات.
واتهمت المندوبية الإقليمية، باعتماد سياسة انتقائية على أساس «المقربين أولى» فيما يخص التكوين المستمر، متحدثة عن استعمال سيارات الدولة والحواسب المحمولة في أغراض شخصية، وإهدار كرامة الشغيلة الصحية على «يد من هب ودب دون أن تحرك الإدارة ساكنا».
وحجتها على ذلك، ما قام به المسؤول عن الإدارة السجنية، أخيرا بالمستشفي الإقليمي بتاونات، الذي اكتفت بوصفه بعبارة «الهضرة كثيرة والسكات أحسن»، متحدثة عن أن قطاع الصحة بإقليم تاونات، يستغيث، متسائلة عن مغيثه ومخرجه مما هو فيه من ترد وما يهدده من مشاكل.
ولم تستسغ نقابتا الأطباء و»ك. د. ش» تماطل المندوبية بشأن الرد على طلب تعليل القرار الإداري الذي وجه إليها في 8 دجنبر الماضي لتقديم شكاية للمحكمة الإدارية للفصل في النزاع حول عملية توزيع التعويضات الخاصة بالبرامج الصحية والتسيير العام والفرقة المتنقلة للصحة.
وقال مصدر نقابي إن المندوبية لجأت بدم بارد إلى استعمال لائحة السنة الفارطة، بنفس المبالغ وأسماء المستفيدين، ما يعني أن هناك تأشيرا على بيانات أمر القيام بمهمة بطريقة مفبركة، مطالبا التدخل لحل المشاكل المتعلقة بالسكن الوظيفي ومواجهة استغلال النفوذ وتطبيق القانون.

انتقالات مرفوضة
لم تستسغ نقابة «إ. و. ش»، ما أسمته «تعيين مسؤولين جهويين وإقليميين على أسس حزبية ومعارف شخصية تضرب عرض الحائط مبدأ الكفاءة والمساواة، متحدثة عن مهزلة عرفتها الانتقالات التي تمت خارج الحركة الانتقالية بطريقة «غير قانونية أصابت الشغيلة الصحية بإلإحباط والصدمة».  تلك الانتقالات في نظرها «أفرغت إقليم تاونات من كفاءات هو في أمس الحاجة إليها»، دون أن تستسيغ «تعطيل مؤسسة الأعمال الاجتماعية لموظفي قطاع الصحة رغم أهميتها الكبرى، لغرض في نفس يعقوب»، و»السياسة الدوائية الوطنية التي تنهجها الوزارة ولا تهدف إلا لتحقيق مصالح شخصية».
وتحدثت نقابتا الأطباء و»ك. د. ش»، عن «فضيحة» الانتقالات غير القانونية التي منحت للأطر المنعم عليها خارج إطار المذكرة الوزارية 59/08 واللائحة النهائية للحركة الاستثنائية ل2011، ما حذا بطبيبة لتقديم استقالتها، وأجج غضب زملائها الذين ينسقون لتقديم استقالة جماعية من العمل.
وطالبتا الوزارة بإلغاء شرط التعويض بالنسبة للمستفيدين من الحركة الانتقالية بطريقة قانونية قصد الالتحاق بمقرات عملهم لظروفهم الاجتماعية والعائلية وتزويد مستشفى تيسة بسيارة إسعاف، وتنفيذ القرار العاملي القاضي بإحداث نظام للمساعدة الطبية «راميد» لفائدة الفقراء.
وأعلنتا مساندتهما للصيدلانية التي وجهت طعنا إلى المندوبية بخصوص المبلغ الهزيل الذي خصم لفائدتها كتعويض برسم سنة 2011، وتطالبان المندوبية بالبت فيه وتمكينها من حقوقها المشروعة، مستنكرتين ما أسمياه «الجريمة النكراء في حق البيئة واجتياح المرجان للأودية والسدود.
مساكن محجوزة
لم يقتصر الغضب على ذلك، بل دعت النقابات إلى احترام المساطر القانونية والدوريات الوزارية والجهوية للاستفادة من التكوين وعقلنتها واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص واحترام الاختصاص المهني، وليس اللجوء لاستكمال اللوائح بموظفين لا يعنيهم الموضوع، وتهميش الفاعلين الحقيقيين.
هذا فيما قال المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية لقطاع الصحة (إ. و. ش) بتاونات، إن المدير الجهوي لوزارة الصحة بالحسيمة، «يحتل ثلاثة مساكن إدارية بإقليمي تاونات والحسيمة»، منذ تكليفه بتلك المهمة، بعد أن كان يشغل مهمة مدير إقليمي لوزارة الصحة بتاونات، قبل نحو سنتين.  وأوضح مصدر نقابي إن هذا المسؤول، ما يزال يحتل مسكنا إداريا بجماعة الورتزاغ وآخر بمدينة تاونات، إضافة إلى سكناه الحالية بالحسيمة، متسائلا عن سر السكوت عن هذا الوضع، في وقت «أصبح فيه الوزراء يقطنون في منازل الكراء» بلغة بيان للنقابة المذكورة المقربة من العدالة والتنمية. وتطالب النقابات بإيجاد حل استعجالي لمصلحة تصفية الدم وبناء مؤسسة خاصة بها، وعدم الاقتصار على الحل الترقيعي حيث يتكدس المرضى في مقصف جد ضيق تم تحويله إلى شبه مصلحة، وعدم إقحام بعض عمال الشركة في العمل الوظيفي وإبعادهم عن اختصاصات الموظفين.
ودعت لتطبيق المسطرة القانونية فيما يخص بيع المتلاشيات وإلحاق العائدات بمالية المؤسسة وحفظ وصيانة التجهيزات التي توجد في بعض المصالح التي تخضع للترميم والإصلاح وإعادة الهيكلة خاصة أنها باهظة الثمن، وتحسين الوجبات الغذائية لفائدة الشغيلة الصحية والمرضى.

“تخلويض” في احتساب التعويض

تطالب نقابتا الأطباء و»ك. د. ش»، باعتماد الشفافية في احتساب وحدات التعويض عن الحراسة والإلزامية في صرف التعويضات، وإيجاد حل استعجالي للنفايات الطبية وتصريفها بطريقة علمية ومعقلنة تفاديا للضرر الذي تحدثه للمواطنين والبيئة، وفتح تحقيق في حادث تعرضت له سيارة إسعاف.
وموازاة مع ذلك، تطالبان وزارة الصحة، بفتح المراكز الصحية المغلقة بالإقليم، ومواجهة الخصاص الفادح الذي يعرفه القطاع بتعويض من أحيلوا على التقاعد، أو نجحوا في امتحانات تغيير الإطار، وتعيين الموارد البشرية الكافية خاصة بتاونات والمستشفيات المحلية بغفساي وقرية با محمد وتيسة.
وتؤكدان في بيانهما المشترك الثاني، على لزوم وضع آلية للمراقبة الصارمة بالمستودع الإقليمي للأدوية، والكف عن تزويد الأفراد والأشخاص وضمان توزيع عادل ودوري منظم والرفع من الكمية المرصودة للمراكز الصحية والمستشفيات قصد تحسين الخدمات الصحية للمواطنين.
ويشكل الكف عن استعمال سيارات المصلحة والهلال الأحمر لأغراض شخصية في التسوق والسفر وإيصال الأبناء إلى الروض وولوج قاعات الرياضة، أحد مطالبهما إلى جانب تزويد المراكز الصحية بمستلزمات المكتب ومواد التنظيف قصد تسهيل عمل الشغيلة الصحية.
وتطالبان إدارة المستشفى الإقليمي، بعقلنة صرف الموارد المالية داخل الميزانية، إذ تم برأيهما أخيرا شراء مولد كهربائي باهظ الثمن وتم إصلاح المولد الكهربائي القديم، الشيء الذي يعتبر تبديدا للمال العام، إذ «كان على الإدارة أن تخصص المبلغ لشراء تجهيزات أخرى يستفيد منها المواطنون».
وأطلقت النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام والنقابة الوطنية للصحة (ك. د. ش)، نار غضبهما على المستشفى الجامعي بفاس. ولم تستسيغا ما سميتاه «الأفعال المزاجية واللاإنسانية من قبل بعض مسؤولي المستشفى الجامعي ومستشفى الغساني، بإرجاع المرضى الوافدين من تاونات».
وما يعيبه المكتبان الإقليميان للنقابتين، على المستشفيين المذكورين، اتخاذهما مثل هذه القرارات، رغم علم مسؤوليهما، أن المركز الاستشفائي الإقليمي بتاونات، «لا يقدم أي شيء»، بل هو «محطة عبور فقط»، مفصلين في الأوضاع غير الصحية التي يوجد عليها وتستدعي التدخل.
النقابتان اللتان خاضتا أشكالا احتجاجية سابقة، استحضرتا واقع سوء التدبير والفوضى الذي بنظرهما «شل مستشفى تاونات» رغم أنه المؤسسة الاستشفائية الوحيدة بالإقليم، لكنه مجرد «محطة عبور» للمركز الاستشفائي الجامعي بفاس.
هناك بفاس، وبرأي النقابتين، يجد المرضى صعوبة الولوج وأحيانا مطالبة سائقي سيارات الإسعاف بإرجاعهم إلى تاونات دون فحص حالتهم التي تكون استعجالية وجد خطيرة في بعض الأحيان، وهو ما نبهت إليه جهات حقوقية، خاصة بعد وفاة نزيل بسجن عين عائشة.
ولتدارك هذا الحرج، تطالبان بتجاوز واقع سوء تدبير مستشفى تاونات واعتماد الجودة في الإصلاح والترميم وأشغال البناء المدرجة به تفاديا لهدر المال العام، وفرض المراقبة الصارمة على الأدوية ببعض المصالح التابعة له، والكف عن التزويد في إطار المحسوبية وبدون سند الوصفة الطبية.

حميد الأبيض (تاونات)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق