fbpx
حوادث

دراسة: تحصين المحاماة مسؤولية مجلسها

جـلال الطاهـر
مهنة المحاماة تعيش اليوم وضعية صعبة لا يمكن أن يتجاهلها إلا مكابر

ليس عيباً ولا بدعة أن يتابع ويعتقل المحامي، أو الموثق، أو القاضي، أو البرلماني، أو الوزير حتى،  أو ضابط الأمن أو الطبيب …، إلا أن العيب هو أن تتم إجراءات الاعتقال، خلافاً لضوابط القانون، أما إذا توفرت الشروط، واحترمت الضوابط، فإن سريان المتابعة

والاعتقال يؤكد فعلاً نص الدستور بأن (جميع المغاربة سواء أمام القانون).

اعتقال الشخص بتهمة ارتكابه فعلا يبرر ذلك، لا يجب أن ينسحب أثره السلبي إلى المهنة، أو الوظيفة، التي ينتسب إليها هذا الفاعل، أو إلى بقية أعضائها، ذلك أن المسؤولية في هذه الحالة شخصية، وتعميمها يعتبر تعسفاً لا مبرر له، وتجنياً على الحقيقة، وتغليباً للاستثناء على القاعدة، في حين أن العكس هو الصحيح.
ومناسبة هذه الملاحظات، ما يثار من تعاليق التي تعقب متابعة بعض المحامين بتهم معروضة على القضاء ليقول كلمته فيها، وهي قضية لا تمس بصفة مباشرة مصداقية بقية المحامين، ولا مهنة المحاماة، التي ستبقى مرجعاً لحفظ الحقوق وصون الحريات، ومحلا لثقة المجتمع، أفراداً ومؤسسات، يستجير بها من تعرضت حقوقه للجحود، أو حريته وكرامته للتجاوز أو المس، هكذا كانت، وهكذا يجب أن تظل، تنصر الحق، وتقاوم الظلم والطغيان من أي جهة كان، دون رهبة أو تردد، والممارسات المنحرفة التي تتم خارج هذا الإطار، وهذه الروح، يمكن أن يطلق على من يمارسها أي وصف إلا وصف المحامي.
ولضمان السيرة القويمة، لكل من ينتسب إلى هذه المهنة النبيلة، تواضع بناتها، والتشريعات التي تنظمها على خلق مجلس بقيادة نقيب، قلدوه أمانة ومسؤولية السهر بعين لا تنام، وعمل يقظ دؤوب لا يتوقف، على تتبع طرق الممارسة وسلوك الممارسين والتزاماتـهم، وضمان الوفاء لليمين، الذي يؤديه كل محام أمام القضاء، قبل انتسابه رسمياً إلى المهنة، حيث تنص الفقرة الثانية من المادة 12 من القانون المنظم لمهنة المحاماة على ما يلي: ( أقسم بالله العظيم أن أمارس مهام الدفاع والاستشارة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية، وأن لا أحيد عن الاحترام الواجب للمؤسسات القضائية وقواعد المهنة التي أنتمي إليها وأن أحافظ على السر المهني، وأن لا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة، وأمن الدولة، والسلم العمومي).
هذا القسم هو الميثاق الغليظ والرابطة المعنوية التي توثق بين من يؤديه بصدق وأمانة والتزام، وبين الفضيلة والنزاهة والصدق، التي تحملها كلمات هذا القسم، كلمة كلمة، لا فقط نصه المجمل.
وبهذا الاعتبـار، فإن مكانة النقيب والمجلس ومسؤوليتهما قائمة عرفاً، وتقليداً وتشريعاً في اتخاذ التدابير والإجراءات الواجبة، بطريقة استباقية للوقايـة من الزلل، والقرارات الرادعة – إذا دعت الضرورة – وفي الوقت المناسب، قبل أن تضرب الفأس في الرأس، والتصدي بحزم لأي تلاعب بقيم مهنة المحاماة ورسالتها النبيلة، وبثقة المجتمع في المحامي التي ترسخت عبر العصور.
ومسؤولية مجلس الهيأة – بقيادة النقيب – في تحصين المهنة من العبث، قائمة، ولا يجب التراخي في تحملها، تحت أي ذريعة أو ظرف، لما في ذلك من خطر، يهدد كيان مهنة المحاماة، لتأكيد صفتها كمساعدة للعدالة، وجزء من أسرة القضاء.
وتحمل هذه المسؤولية، والاضطلاع بأعبائها، ليس عملاً يسيراً، يمكن تنفيذه دون تبعات ودون عناء، ودون حتى مقاومة، من طرف من يعتبر أن مسؤولية المجلس والنقيب هي العمل بمبدأ (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، ويعزز هذا الاعتقاد الخاطئ، ما تخلفه الهواجس الانتخابية، من ضرورة، خدمة (المجموعة) التي تعتبر مصدراً لتقلد المسؤولية داخل مجلس الهيئة، حيث تعتبر المساندة أو التأخر، أو حتى التستر في معالجة ما يطرح من شكايات صحيحة أو كيدية أو غيرها من المخالفات، على مجلس الهيأة وسيلة لرد دين المساندة لتيسير الحملة الانتخابية (المستمرة)، التي ما أن تنتهي بانتخاب هذا المجلس، إلا لتبدأ في التحضير للانتخابات المقبلة، وهكذا تتراكم السلبيات، ويجد ذوو النيات السيئة سبيلاً وحماية، للإساءة، لنبل مهنة المحاماة وشرف أعضائها.
وتحصين الممارسة المهنية لا يجب أن ينحصر فقط، في الرقابة الذاتية على الجسم المهني، وإنما كذلك تحصينها من كيد الأغيار، وممارساتهم المسيئة أيضاً لسمعة المحامي، والمنافسة غير المشروعة، المتعددة الأوجه والمصادر، ذلك أن احتكار الممارسة من طرف المحامين، المنصوص عليها في القانون، هو احتكار نظري، في حين أن الحياة العملية، من الداخل والخارج، تؤكد أن مهام المحاماة أصبحت مستباحة من طرف الأغيار، تمارس بطرق مختلفة، لا تمت إلى المشروعية بصلة، وبذلك تضيق مجالات عمل المحامي، الأمر الذي ينعكس سلباً، على قدرته على مواجهة الأعباء والالتزامات المادية المفروضة عليه، مهنياً واجتماعياً.
إن مهنة المحاماة تعيش اليوم وضعية صعبة لا يمكن أن يتجاهلها إلا مكابر، وتكتوى بنارها، خاصة الأجيال الشابة، التي أقبلت عليها بعدما سدت في وجهها السبل، حيث أصبحت مهنة المحاماة، قبلة لأعداد هامة من خريجي كليات الحقوق، يؤكد ذلك عدد الوافدين على المهنة في كل دورة لامتحان الأهلية لممارستها، فالدورة الأخيرة التي شهدت 9000 مشارك، حظيت النجاح نسبة 17 في المائة، أي 1500 محام، وهو عدد لا يستوعبه أي قطاع من القطاعات، في وقت يشكل التشغيل هاجساً من هواجس الدولة، وضمانة للاستقرار الاجتماعي والأمني.
فقضايا ومشاكل مهنة المحاماة المتعددة، تقتضي المواجهة المسؤولة، وفي مقدمتها، إعداد عريضة مطلبية تشخص الوضعية، وتقترح طرق المعالجة، من طرف مجالس الهيآت خاصة، ومن غيرهم من ذوي الاختصاص المهني والتقني، وفتح حوار جدي ومسؤول، مع الحكومة ومكوناتها المختلفة، على ضوء المتغيرات السياسية والحقوقية والاجتماعية، التي يعيشها المجتمع المغربي، ولا يمكن رصد هذه المتغيرات دون استحضار مهنة المحاماة، لأن مهنة اليوم ليست هي مهنة الأمس.
ومطلب فتح الحوار حول مشاكل المهنة ليس استجداء، بل هو ممارسة لحق دستوري، يرتكز على تحمل الأعباء، والاستفادة من المالية العمومية للجميع، بقدر هذه الأعباء، والمحامون يقدمون خدمات، ويتحملون أعباء اجتماعية كالمساعدة القضائية، والمساهمة في التشغيل، ومشاركة القضاء في توزيع العدل بين الناس، وهي أولوية لأية دولة ديمقراطية اليوم. إن المسؤولية في تدارك مشاكل المحاماة، تتحملها مجالسها المنتخبة، بطرح الجوانب التي تتجاوز إمكانياتها الذاتية، والدولة تتحمل كذلك، مسؤولية الاستجابة لتدارس هذه المشاكل، ووضع خيارات واقتراحات لحلها، عن طريق الحوار.
إن مجالس هيآت المحامين، مسؤولة عن تحصين الممارسة المهنية القويمة، من جهة، والسعي لحمايتها من المنافسات غير المشروعة، التي تتعاظم سنة بعد أخرى من مصادر مختلفة، داخلياً وخارجياً، من جهة أخرى، فإذا لم تقم بهذه المهام، فإنها ستفقد مبرر وجودها، وسيأتي بالضرورة من يملأ الفراغ لا قدر الله.

بقلم:  ذ/جـلال الطاهـر: محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى