fbpx
ملف عـــــــدالة

التكفير عبر “النت”

متشددون وأصوليون يستغلون مواقع التواصل الاجتماعي لتوزيع صكوك الغفران والجحيم
تطور استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مستمر بين كافة الفئات العمرية داخل الأسر والشرائح الاجتماعية المختلفة، إلا أن أخطر المستخدمين وأكثرهم ضرراً وتأثيراً من حيث نشر الميول الإرهابية هم الأفراد الناشطون بشكل عقائدي مع الجماعات المتطرّفة، الذين يتم تكليفهم على شكل مجموعات باختراق عقول الشباب والتأثير عليهم عاطفياً، بتوجيه خطاب ديني حماسي يشجع على العنف والانسلاخ عن المجتمع وتكفير الحكومات والدعوة لمناهضة الحكام وتأييد التطرف ورموزه. كما يتم عبر هذه الوسائط استهداف الأفراد أو الجماعات والتنكيل والتشهير بهم من خلال تهم التكفير الجاهزة. في هذا الخاص تتوقف “الصباح” عند الصيغة المغربية للتكفير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأشهر رموز الظاهرة وضحاياها.
عزيز المجدوب

مهندسو “الخطوط الحمراء”

التكفيريون يحددون قوائم المواضيع المحرم الاقتراب منها
في جلسة لمحاكمة المتورطين والمحرضين على الأحداث الإرهابية الدموية التي هزت البيضاء ليلة 16 ماي 2003، صرخ أحد المتهمين أمام القاضي قائلا “المجتمع المغربي كافر، وأفراده لا يستطيعون التحول من الكفر إلى الإسلام بسبب ما ترسب فيه من كفر”.
وحين سأله القاضي عن مستواه الدراسي، وإن كان يعتبر نفسه أهلا لإصدار مثل هذا الحكم، قال “إنه بعد حصوله على شهادة الباكلوريا، درس في كلية الحقوق مدة ثلاثة أشهر، ثم انقطع عنها بسبب الفساد المستشري في الجامعة”.
بعدها، انصرف لمزاولة مهنة بيع الأعشاب والعلاج بها، بموازاة دراسة المراجع الدينية لمدة 10 سنوات، ومنها مؤلفات ابن تيمية وابن القيم الجوزية والقاضي عياض، مشيرا إلى أن فهم النصوص الدينية الإسلامية لا يحتاج في نظره إلى أكثر من إتقان اللغة العربية.
واسترسل المتهم أنه يكفر كل الجماعات، وأنه لا يأمل في انتقال المغاربة من الكفر إلى الإسلام انطلاقا من تجربته الشخصية شيوعيا سابقا ومن تقييمه للواقع الاجتماعي والسياسي، ما دفعه إلى الانعزال عن المجتمع والهجرة إلى منطقة نائية بضواحي الناظور.
وقال للقاضي إنه لا يصلي في المساجد التي يعتبرها “مساجد ضرار” ولا يصلي الجمعة لأنها في نظره تقام في بلد كافر ولا يأكل من اللحوم التي تباع في الأسواق لأنه يعتبرها من ذبائح الكفار، وإنه عندما توفيت والدته قام بدفنها في بيته باعتبار عدم جواز دفن المسلمين في مقابر الكفار.
لم يكن هذا المتهم، الذي كان يلقب آنذاك، بشيخ التكفيريين، الأول الذي جاهر بكرهه للمجتمع، ونبذه له وفق قراءات متفرقة وتقييم خاص للوضع العام، بل إن عددا منهم شكلوا الوقود الأساسي لعمليات دموية هزت مناطق مختلفة من المغرب وخلفت ضحايا لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا موجودين في مسرح الضغط على الصواعق وتفجير الأجساد والأحزمة الناسفة.
أغلب التكفيريين ينطلقون من قراءات متشنجة ومتعصبة للنص الديني، إذ يرسلون أحكامهم ومواقفهم من المجتمع والأفراد وفق فهم خاص للقرآن والسنة النبوية، وتطول هذه المواقف حتى المقربين من الأبناء والزوجات والآباء والأمهات الذين، كثيرا، ما حكم عليهم “غيابيا” وحضوريا بأقسى العقوبات من قبل أبنائهم “الضالين”.
لا حدود للخطوط الحمراء التي يضعها التكفيريون وأصحاب الدعوة إلى الحقد والتحريض على القتل، وقد تبدأ بمحاكمة الناس على عقائدهم والشق على صدورهم لمعرفة درجة إيمانهم، إذ يعتبر هؤلاء أنفسهم ظل الله فوق الأرض وأوصياء على التطبيق الحرفي لدينه، ومعاقبة كل من زاغ عليه، أو انحرف على الصراط المستقيم، رغم أن لا أحد كلفهم بذلك.
لذلك، يمكن فهم عدائهم “الفطري” للمجددين الدينيين ولمفكري التنوير الديني المجتهدين من داخل النص الشرعي، الذين لا يعدون في نظرهم مجرد ملحدين وكفار ينبغي قتالهم (يمكن مراجعة لوائح المفكرين الذين أسقطهم رصاص الاغتيالات، أو كانوا هدفا لها في السنوات الأخيرة).
ويستطيع التكفيريون أن يفرضوا عليك رأيهم في علاقتك بعبادة الله وتطبيق فرائض الدين وسننه، وتراهم في جميع المجالس يهددون بالويل والثبور تاركي الصلاة والصوم، ويعتبرون المقصرين في ذلك إخوان الشيطان لا يجوز الحديث معهم فحسب، بل الدعوة إلى إقامة الحد عليهم.
وكثيرا ما يتحمس التكفيريون ويرسمون خطوطا أخرى تتجاوز النص الديني إلى مفهوم فضفاض مثل الأخلاق العامة، فيستعرضون “مواقفهم” من اللباس (التفريق بين اللباس المحتشم وغير المحتشم)، وطريقة تصفيف الشعر، كما يفتون في قضايا أخرى تتعلق بالمثلية الجنسية.
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى