fbpx
خاص

تفاصيل اختراق قنصلية إسبانيا

قاعدة خلفية بفاس وجلب مرشحين من مختلف المدن وتنسيق محكم مع مسؤول قنصلي
منذ 2015 انطلقت عمليات اختراق قنصلية إسبانيا بالرباط، من قبل أفراد شبكة إجرامية، بلغ عددهم 13، أحيلوا على العدالة، وآخرين مازالوا رهن الأبحاث. بعضهم سبق أن اشتغلوا بالقنصلية نفسها وخبروها جيدا. أحد المشتبه فيهم سبق أن عمل بالقنصلية في شباك خاص بالدبلوماسيين، وآخر موظف بها، ناهيك عن مساعد مسؤول بالقنصلية، مكلف بإبداء الموافقة على ملفات التأشيرات،
سقط بدوره في الفخ وأغراه نصيبه من كل عملية، إذ يصل في بعض الأحيان إلى 30 ألف درهم. الشبكة كانت تستعين بالتزوير، وتجند مستقطبين للراغبين في الهجرة بمدن مختلفة،
قبل أن تسقطها مطلع أبريل الجاري عناصر المكتب الوطني لمكافحة الهجرة السرية بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بعد تتبع استغرق ثلاثة أشهر….
إنجاز: المصطفى صفر

أربعون تأشيرة شينغن، للدخول إلى الفضاء الأوربي، هو مجموع “الفيزات”، التي خرجت من قنصلية إسبانيا بالرباط، واستفاد منها أشخاص لا يتوفرون على الشروط المطلوبة في الملفات. العملية من ألفها إلى يائها تتم وفق خطة محكمة تسهر عليها مجموعات إجرامية، قاعدتها الخلفية فاس، حيث يوجد المستقطبون، ثم الرباط حيث تتوزع الأدوار بين مستخدمين بالقنصلية، ومسؤول عن إبداء الموافقة على الملفات.

تجميع المعلومات

منذ الأسبوع الأخير من دجنبر الماضي، انطلقت عناصر المكتب الوطني لمكافحة الهجرة السرية التابع للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في تجميع المعلومات حول أفراد الشبكة ومجمل المتدخلين في واحدة من أخطر العصابات التي أفلحت في اختراق قنصلية، أكثر من ذلك أسقطوا في شركهم أيضا موظفين تابعين لمديرية الأمن الوطني، بالنظر إلى ما تتطلبه الملفات من شهادات تصدر عن هذه الإدارة وتتعلق بحسن السيرة والسلوك (شهادة السوابق)، إذ أن أفراد العصابة حين يهيئون الملفات يسهرون على أن لا يكون المرشح مطلوبا للعدالة، حتى لا تنكشف جرائمهم، فيتصل أحد زعماء الشبكة بعناصر شرطة من أجل تنقيط المرشحين، فإن كان المعني بالأمر غير مطلوب للعدالة استكملت الإجراءات، وفي حال وجود مساطر مرجعية ومذكرات بحث، يتم العدول عن إنجاز ملف الوثائق الخاصة بالتأشيرة.
أكثر من ذلك فزعيم العصابة وفر كل شيء، فبالمال فقط يمكن إنجاز مجمل الوثائق المطلوبة من تصريح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وشهادة الأجر وبيانات البنوك وشهادة العمل والعطلة وغيرها من المتطلبات التي تعبأ بواسطتها ملفات التأشيرة عموما. ولهذا الغرض، جرى التنسيق مع صاحب مدرسة للمعلوميات، التي خصصها مالكها في الفترة الليلية عند مغادرة التلاميذ، مسرحا للتزوير للحصول على مختلف الشهادات، إضافة إلى مطبعة تورط مالكها في إنجاز وثائق استعملت في عمليات الهجرة.
عمليات العصابة قد تكون فاقت العدد المصرح به، بالنظر إلى أن أول اتفاق على تكوين العصابة تم في 2015، بعد حملة الطرد التي عرفتها القنصلية الإسبانية لمستخدمين تورطوا في خروقات، وكان من ضمنهم (ر. أ)، إذ بعد تغيير نظام الحصول على التأشيرة، عمد إلى ابتكار أسلوب جديد، باستغلال علاقته بالموظف (ك. ب) مسؤول بالقنصلية الإسبانية مساعدا للرؤساء المسؤولين عن منح التأشيرات، فكان الأخير يعطي الموافقة المبدئية وهي الإشارة التي يتلقفها باقي المسؤولين لمنح التأشيرات، بالنظر إلى خبرة الموظف والثقة التي يحظى بها من قبل رؤسائه.

تنظيم هرمي
إذا كانت عملية التأشيرة مضمونة حسب هذا الاتفاق من قبل المسؤول القنصلي، الذي يغنم نصيبا كبيرا من مبلغ 40 ألف درهم أو أكثر، المخصص لكل تأشيرة، فإن هناك مجموعات أخرى تتدرج في مهامها وهي موزعة بين مجموعة من المدن لاستقطاب المرشحين.
وفي كل منطقة يوجد مسؤول عن الشبكة يستقبل ملفات المرشحين المنتمين إلى نفوذه الترابي، فالعصابة عابرة للمدن وتتوفر على ممثلين خاصين لاستقطاب المرشحين، فهناك مسؤول عن خنيفرة والنواحي، وآخر مكلف بمنطقتي مكناس وعين تاوجطات وثالث بوجدة ثم رابع بصفرو ووادي أمليل وآخر بتازة.

تزوير الوثائق
ثم هناك فئة ثانية من الشبكة متخصصة بتزوير الوثائق والطوابع والأختام، ويوفر أفرادها الجانب اللوجيستيكي لعمليات التزوير، ومقسمون بدورهم إلى مجموعتين، الأولى تتزعمها امرأة وتضم ثلاثة أشخاص، والثانية يتزعمها رجل وتضم شخصين آخرين.
إضافة إلى هؤلاء، هناك المرشحون الذين يقبلون بدورهم بالمشاركة في الجرائم عن طريق استعمال الوثائق المزورة ودفع الرشاوي لإنجاز تأشيرات، والذين جرى إيقاف أربعة منهم، فيما آخرون حددت هوياتهم ويوجدون خارج التراب الوطني بعد أن أفلحوا في مغادرة الحدود.

أبـحـاث سـريـة
استغرقت عمليات تتبع أفراد الشبكة الإجرامية التي تضم 13 متهما، حوالي ثلاثة أشهر، استعملت فيها عناصر الفرقة الوطنية مختلف التقنيات وتحت إشراف السلطات القضائية المختصصة، لجمع أكبر عدد من الأدلة وتطويق كل المتدخلين في عمليات التزوير، إذ منذ الأسبوع الأخير من دجنبر الماضي، انطلقت الأبحاث والتحريات، والتقاط المكالمات الهاتفية والمراسلات عن بعد، لتتم عمليات تتبع لعناصر العصابة وتحديد طرق التنسيق بين أفرادها، وفق التنظيم الهرمي سالف الذكر، فتبين أن المجموعات المستقطبة تذوب في ما بعد، لتبقى المرأة الوحيدة في الشبكة والمستقرة في مكناس، هي المكلفة بإيصال الملف إلى الرباط، وتنسق مع شخص آخر، يستقبلها ويصور الملف بهاتف محمول، ليبعث بالصور إلى المسؤول القنصلي، المكلف بإبداء الموافقة. ويكون هذا الإرسال بمثابة اتفاق على أن الملف المعني، جاهز، ليعطي المسؤول القنصلي الضوء الأخضر بوضعه لدى شركة الخدمات التي تستقبل الملفات وتوزع المواعد والموجود مقرها في شارع باستور بالرباط، وهي الشركة التي تحيل الملفات على القنصلية من أجل دراستها.
فيتكلف بعد ذلك المرشح بوضع ملفه شخصيا لدى الشركة مقابل وصل بالاستيلام، وهو الوصل الذي يسلمه لأفراد العصابة ويطلع عليه الموظف القنصلي لتحديد الملف عبر رقم الوصل والاسم العائلي والشخصي للمعني قصد تتبع الملف إلى حين إعطائه الموافقة.
وتجري العملية نفسها بين المسؤول بالقنصلية، وزعيم آخر للشبكة، إذ يلعب و”الواتساب” والهاتف دورا حاسما في تحديد الأسماء المستفيدة، قصد حصولها على التأشيرة، بالطريقة نفسها التي تجري مع المرأة.

تصريحات مرشحين
أجرت الفرقة الوطنية تدخلاتها منذ مطلع أبريل الجاري، وأوقفت العقول المدبرة ومختلف المتدخلين، كما استقدمت مرشحين، أحدهم يتحدر من تاوجطات، وبين المرشح مجموع الأموال التي دفعها لإنجاز الملف، إذ أن الوسيط الأول تسلم منه عمولة 3000 درهم، والثاني 5000 درهم، وبعد حصوله على التأشيرة سلم لأحد الزعماء 45 ألف درهم.
وتطابقت تصريحات المرشح بتصريحات آخرين، أدوا مبالغ مالية تتراوح بين 40 ألف درهم و60 الفا، للحصول على الـتأشيرة، وهي مبالغ يتم توزيعها بين مجمل المتدخلين في العملية إلى أن تصل إلى الموظف القنصلي، الذي يعطي الموافقة المبدئية على الملف.

الجانب اللوجستيكي
نشاط الشبكة لا يمكن أن ينجح دون تزوير الوثائق، فالمرشحون الذين يؤدون المبالغ المالية المرتفعة، يدركون أنه لا يمكنهم الحصول على التأشيرة، لانعدام الشروط المطلوبة، وهو ما كان يدفع أفراد العصابة إلى الاستعانة بخدمات شخصين آخرين متخصصين في التزوير، وينشطان بفاس، أحدهما يملك مدرسة للإعلاميات، توجد في حي الليدو، إذ بعد مغادرة التلاميذ يحول مكتبه إلى مسرح لجرائم التزوير بالاستعانة بحاسوبه الخاص، لقرصنة جل الوثائق المطلوبة في الملف، وتعبئتها بأسماء المرشحين، ويتسلم 3000 درهم عن كل ملف، وتتم عملية استخراج الوثائق بمكتبه. ويوجد متهم آخر، يملك مطبعة بالحي نفسه بفاس، صنع طابعا خاصا ببنك من أجل ختم الوثائق المتعلقة بالحسابات البنكية.

إختراق رجال أمن
العمليات المتعددة التي تنجزها الشبكة الإجرامية، لم تستثن عناصر الشرطة من السقوط في المحظور، إذ استغل أحد زعماء الشبكة، علاقاته وتعرفه على مجموعة من الأشخاص العاملين في مختلف الإدارات بالرباط، ليستغلهم في عملياتهم الإجرامية، فقد تعامل مع موظفي أمن يعملون بمصلحة التشخيص من أجل تنقيط المرشحين، والتعرف عما إذا كان مبحوثا عنهم أم لا، لإنجاز وثيقة حسن السيرة، أي انعدام السوابق، إذ يمد الموظفين التابعين للمصلحة سالفة الذكر برقم بطاقة تعريف المرشح، ليتلقى الإجابة عن تساؤله بخصوص وضعيته. وتبين من خلال المكالمات الهاتفية ورسائل نصية أن بعض من تم تنقيطهم مبحوث عنهم. وجرى تحديد موظفي الشرطة المتورطين، وعددهم أربعة يخضعون حاليا لأبحاث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى