fbpx
ملف الصباح

بـقــايـا الــوثـنـيـة

الباحث فسترمارك يرصد جذور الإيمان بالجن والعين عند المغاربة

توقف العديد من الباحثين الأجانب الذين تولوا دراسة المجتمع المغربي دراسة أنثروبولوجية وسوسيولوجية عند عبارة أو مفهوم “البقايا الوثنية”، ليجعلوه منطلقا لتفسير العديد من المظاهر والظواهر التي تكشف استمرار وتغلغل الخرافة في مسام الأفراد والجماعات بالمغرب، على غرار العديد من المجتمعات البشرية.
ويندرج اسم الباحث والمستشرق إدوارد فسترمارك ضمن أوائل الباحثين الذين درسوا المجتمع المغربي في بداية القرن العشرين، وتوقف باستفاضة عند أطروحة “البقايا الوثنية” ليشير بها إلى مجموعة من المعتقدات والطقوس القديمة، بعضها تم احتواؤه من قبل الإسلام، والبعض الآخر بقي حاضرا ببساطة داخل معتقدات وطقوس المسلمين رغم الاعتراضات الشديدة للفقهاء.
ويستعرض فسترمارك مجموعة من المظاهر التي تشكل حسب دراساته استمرار للبقايا الوثنية داخل المعيش الديني للمغاربة، منها الاعتقاد في الجن والعين الشريرة والصلّاح واللعنة، إضافة إلى مهررجاني عاشوراء وبوجلود.

الاعتقاد في الجن
ويرى الباحث الأنثروبولوجي أن المعتقدات المتعلقة بالجن والممارسات المرتبطة بها عند المغاربة، تتحدر بشكل عام من أصل وثني وإسلامي من جهة، ومن أصل شمال إفريقي قرطاجي من جهة ثانية، إذ أن الاعتقاد العربي القديم في الجن تمت المحافظة عليه من قبل الدين الجديد الذي اعترف ببعض الآلهة الوثنية وصنفها ضمن قائمة الشياطين، وأقر بدخول البعض الآخر منها إليه كالجن.
كما أن الاعتقاد في الجن كان سائدا ومنتشرا أيضا في شمال إفريقيا قبل وصول العرب والمسلمين إليها، إذ رغم أن هذه المعتقدات اندمجت مع ما جاء به الإسلام لدرجة بات يصعب معها التمييز ضمنها بين القديم والجديد والأصيل والدخيل، وتظل بعض المؤشرات تدل على تميز الاعتقاد في الجن بالشمال الإفريقي عن مثيله في الشرق العربي، كما هو الشأن بالنسبة إلى “عائشة قنديشة” وزوجها “حموكيو” التي ليست سوى إلهة الحب “أستارتي” والإله “هامان” القرطاجيين.

العين الشريرة
ويرى صاحب كتاب “أصل وتطور الأفكار الأخلاقية” أن الاعتقاد في العين الشريرة يتكون من فكرتين، الأولى تتجلى في طريقة النظر التي تدل على أن العين حاملة للمتمنيات العدائية، والثانية تكمن في تلك الطاقة المؤذية الفوق طبيعية التي تصدر عن العين دون إرادة صاحبها.
واشتهر المغاربة باعتقادهم الشديد في العين الشريرة لدرجة أنهم كانوا يطالبون الشخص الذي تسببت عينه في وقوع حادثة معينة بتعويض المتضررين. وللاحتماء من أذى العين الشريرة ابتكروا عدة طرق ووسائل مثل الرسم والصباغة والنحت والطرز وغيرها، بل إن ارتداء النساء للنقاب لا يرجع فقط إلى غيرة الرجل وإنما أيضا إلى الرغبة في اتقاء العين الشريرة.
والاعتقاد في العين ليس حكرا على المغاربة فقط، ولكنه يعرف عند جميع الشعوب المسلمة، إذ أن الإسلام ذاته اعترف وأقر بوجوده، كما كان سائدا عند قدماء العرب والأمازيغ في الحضارتين الفنيقية والقرطاجية، بل إنه يكاد يكون قاسما مشتركا بين الشعوب والحضارات لدرجة يصعب معها الإقرار بأصله على وجه الدقة والتحديد.

اللعنة والعار
تتميز “اللعنة” عن باقي أشكال الاعتقاد الوثني والخرافي الأخرى بأنها سبب قصدي للضرر، كما أنها تعتمد على إمكانياتها الخاصة في التعبير عن متمنياتها العدوانية، وهي تتخذ في الغالب الأعم شكلا شفويا عدوانيا، كما يرى ذلك الباحث المغربي عبد الغني منديب في كتابه “الدين والمجتمع.. دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب”.
ويضيف أنه تعتبر لعنة الآباء أخطر أشكال اللعنة وأقواها، إذ لا يعادلها في مفعولها ويبطله سوى رضاهم. وقد ساد هذا الاعتقاد عند جميع الشعوب القديمة بما فيها الشعوب الأوربية وساهم كثيرا في تدعيم سلطة الآباء على الأبناء.
ويعد “العار” في المغرب أقوى وأبرز أشكال اللعنة على الإطلاق، ويراه فسترمارك هو الآخر اعتقادا وثنيا ضاربا في القدم ترجع جذوره إلى العرب القدماء وإلى جميع الشعوب الإفريقية القديمة.
رغم أن الإسلام لم يدع إلى الاعتقاد في الأولياء والصلحاء، وأقر بعدم قدرتهم على صنع الخوارق والإتيان بالمعجزات، لكن هذا لم يمنع المسلمين على مر العصور من إلحاق ونسب بعضها إليها، إذ أنه في اعتقاد الكثيرين منهم لا يمكن أن يكون النبي محمد مبعوث الله أقل شأنا ومقدرة من الكهنة ورجال الدين الوثنيين الذين كانوا عرافين ومطببين وأصحاب معجزات. وبما أن الصلاح كان وراثيا عند هؤلاء فقد تم الاعتقاد أن صلاح الرسول انتقل بدوره إلى ذريته.
وهكذا فإن عبادة الأولياء، حسب فسترمارك، نبتت في الأصل في حقل الوثنية السابقة على مجيء الإسلام، ولم يمنع التوحيد الصارم لهذا الأخير من نمو هذا الاعتقاد واتساع رقعة ممارسته، إذ كانت هناك ضرورة في ما يبدو، تقتضي ظهور وسطاء يردمون تلك الهوة ويملؤون الفراغ الذي يفصل بين الناس وربهم.
ويرى الباحث نفسه أن الصلاح اعتقاد قديم يقوم بالأساس على الإحساس بما هو خارق، وهذا الإحساس متغير وقابل للتضاؤل والتلاشي مطلقا. والشيء نفسه يقوله عن “البركة”، إذ أن المغاربة، حسب رأيه، يرون أن جميع الناس يتوفرون على قدر ضئيل من البركة التي لا تصبح جديرة بالاهتمام إلا حين يكبر حجمها.

عاشوراء وبوجلود
يسود الاعتقاد، في بعض مناطق المغرب، بأن عاشوراء حداد على مقتل أبناء علي بن أبي طالب، وأحيانا على موت النبي محمد، لكن فسترمارك يرى أنها طقس شمال إفريقي لا ينتمي إلى الإسلام أو الوثنية العربية، مستندا إلى أن الشرق العربي لا يعرف “مهرجان عاشوراء” كما أن هناك شبها بينه وبين طقس “منتصف الصيف” الذي كان سائدا عند الأمازيغ القدماء قبل مجيء الإسلام.
كما أن مهرجان عاشوراء يتضمن طقوسا مائية ونارية هي بالأساس طقوس وقائية وتطهيرية يدوم مفعولها سنة بكاملها.
أما مهرجان “بوجلود” الذي يقام على هامش عيد الأضحى، فهو طقس ما قبل إسلامي، ترجع أصوله إلى أعياد الزحل الرومانية، وأشبه بحفلة تنكرية.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى